يامطنش
06-Sep-2005, 02:17 AM
التاريخ يكتبه المقاولون أحياناً
أشرف إحسان فقيه
بين دروب المُعلاة والحجون سخِرتُ طويلاً من مرافقي المكيّ لأنه لم يعرف موضع أكثر من موقع تاريخي كنت قد قرأت عنه يوماً. الرجل ذاته لم يلبث أن ألقمني حجراً حين بادرني بالسؤال: وأنت أيها المدنيّ.. تزعم أنك تستطيع أن تدلني مثلاً على حيث كانت سقيفة بني ساعدة؟!
التفاخر بانتسابك لأي من المدينتين المقدستين له تبعات عدة.. أحدها اعتبارك -شخصياً- رمزاً لحضارة وتاريخ يقدسهما مليار مسلم حول العالم. لكن إذا كنت أنت بذاتك مُفرغاً من معاني الاتصال بهذا الموروث، فكيف يسعك حينها أن تتشدق بانتمائك الجغرافي؟ وكيف ستفلح في تنشئة جيل يأتي من صلبك ويطالبك بأن تنمي فيه الشعور بأن (التاريخ) يدين له بالكثير.. رغماً عن كل مظاهر الإنهزامية التي تغرق واقعه؟
الحديث عن نظرتنا للآثار التاريخية في هذه البلاد ما فتئ يشكل مجال أخذ ورد بين الداعين للحفاظ عليها والقائلين بفضل مساواتها بالتراب. لكن فيما تتعاقب فصول الحوار، فإن الواقع لا يثبت سوى مزيد من التعدي على رموز الماضي تحت ذرائع شتى لا تحفل بأي من حجج المتباكين على التاريخ. ولطالما كان هاجس (البِدعة) والخوف من مظاهر الشرك عذراً مفضلاً لدى القائمين على هدم المعالم الأثرية والإسلامية خاصة!
لكن الملاحظ أن الضربات الاستباقية للـ (خطر) الكامن في آثار بلادنا يتجاوز تلك المقترنة برفات الأموات ومواضع دفنها، بل ويتعداها لما يقترن بالحقبة الإسلامية من تاريخ الجزيرة ليشمل كل ما يمت للماضي بصلة. وهو ما تثبته جولة عشوائية تبدأ بمسجد (جواثا) وقلعة تاروت، وعبر خرائب دومة الجندل ومسجد عمر، مروراً بالعُلا القديمة وحصون خيبر وربما انتهاء بالأخدود في نجران.
تلك المعالم هي كلها جزء من تاريخ هذه الأرض التي منها نبت ابن هذه البلاد. وهي كلها ترمز لوقائع وأحداث في صميم تركيبتنا التاريخية و(خصوصيتنا) الأسطورية التي طالما فاخرنا بها. وقيمتها الوجدانية لم تزل تغذي إنتماءنا على النحو ذاته الذي يبهرنا به شموخ (المصمك) وتشجينا به أطلال (الدرعية) القديمة. والقول بأن تلك الآثار ليست سوى مجرد أحجار "لا تضر ولا تنفع"، هو قول مطلق الصحة يجدر أن يعيه في البدء المتخوفون من تأثيرها (المدمر) المفترض على عقيدة عمرها ألف وأربعمائة عام لا يليق أن يظهرها أتباعها بمظهر المتهاوي أمام بقايا التاريخ!
بالعودة للمدينتين المقدستين، فإن الاستراتيجية القائمة على تدمير الآثار المقترنة تحديداً بكل ماهو (إسلامي) مخافة الفتنة كانت تقتضي ألا يترك جيل (السلف)، وهم من هم في صفاء العقيدة، حجراً على حجر من آثار النبوة بهما.. لا سيما بعد رحيل القرن الأول الذي انتفى انتفاعه بتلك الآثار من دور ومقابر وآبار. لكن أياً من ذلك لم يحدث. وإن كانت ثمة بدع منتشرة في زماننا فهذه لم توجدها تلك المعالم، ولا هي ستزول بزوالها. بل كان الأولى بنا كغيورين على العقيدة النقية أن نبادر لمواجهة الفكر بالفكر والحجة بالحجة طالما نحن نروج للإسلام كدين عقلاني قائم على المنطق والإقناع، عوضاً أن نستخدم معاول الهدم لنؤاخذ أمتنا بأسرها بما يفعل السفهاء منها. ناهيك عن الحقيقة التي كثيراً ما نتخطاها كوننا مجرد (أوصياء) على هذه البقاع التي أكرمنا الله تعالى بشرف خدمتها وصيانة موروثها التاريخي والثقافي الذي تمتلكه أمة الإسلام بأسرها وتأتمننا نحن عليه.
اليوم تعلو أصوات آسفة في أرجاء العالم يحزنها ما يعانيه إرثها الإسلامي في بلاد الحرمين. وهي أصوات لا تدعو للبدعة ولا يرضيها الشرك بالله، لكن يسوءها وهي تكابد تيارات العولمة والتغريب أن تصلها أنباء باندثار مسجد مشربة (أم إبراهيم) وبئر (أريس) بالمدينة المنورة، وبيت النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، ومدرسة (السيد العريض) وسواها. هؤلاء (المسلمون) يهمهم كذلك أن يبقى تراث الدول الإسلامية الغابرة عباسية وعثمانية شاهداً على تاريخ الأمة الموحد وعبرة لماضٍ ليس ببعيد عملاً بالإرشاد القرآني. هم يعون جيداً أن بقاء الدين ليس مقترناً بهذه (الأحجار)، لكنهم كذلك يفهمون أن عِبر التاريخ ووشائج الروح لن تكفي لترسيخها جلسات الصبية حول الجدود المتهالكين ولا الصفحات المصفرة الحافلة بالأسماء والتواريخ الصماء.
الداعون لحفظ التاريخ هنا وهناك يتكلمون من واقع جيل يعاني هوية مفقودة لم تعد الممارسة المكرورة تكفي لتربطه بتراثه مع وجود تراث مضاد هو ملء السمع والبصر. والأحجار التي لا تضر هي ربما تنفع لتثبت فكرة أو تذكر بواقعة أو تحلق بالروح للماضي لتفعل ما يعجز عنه الخطيب والكتاب. وليكونن من المخجل أن تتعالى ذات النداءات اليوم للذود عن حمى الموروث الإسلامي في القدس وفي قرطبة كذلك!
حتى أفواج الحجيج الذين شرفنا الله بخدمتهم، والذين تبهرهم ولا شك المشاريع العملاقة التي نفذت لتجعل من رحلات حجهم نزهات مريحة، هؤلاء الذين يقض مضاجعنا رضاهم ينبغي أن نتفهم كيف تدمى قلوبهم كذلك لافتقادهم لمشاهد هي أسمى وأعمق بكثير من أطنان الرخام والخرسانة التي يغمر بها المقاولون شواهد التاريخ ليوفروا لضيوف الرحمن مزيداً من الأبراج والشقق.
الجيل القادم من أبناء هذه البلاد، في افتقاره لما يربطه بشخصية هذه الأرض، ليس بأفضل حالاً من الحجيج والسياح. نحن ندين له بحق تعريفه بمن يكون ولمن ينتمي، وندين له بالاعتذار عن تقديم مفهوم (التاريخ) له كامتداد لثقافة (الطفرة)، وللاستهلاكية المادية التي تسارع لاستبدال القديم، ولو كان هوية متجذرة في قلب التاريخ، لم يتبق منها إلا حجارة إنما لا تعوض بثمن.
جريدة اليوم 1/8/1426هـ
أشرف إحسان فقيه
بين دروب المُعلاة والحجون سخِرتُ طويلاً من مرافقي المكيّ لأنه لم يعرف موضع أكثر من موقع تاريخي كنت قد قرأت عنه يوماً. الرجل ذاته لم يلبث أن ألقمني حجراً حين بادرني بالسؤال: وأنت أيها المدنيّ.. تزعم أنك تستطيع أن تدلني مثلاً على حيث كانت سقيفة بني ساعدة؟!
التفاخر بانتسابك لأي من المدينتين المقدستين له تبعات عدة.. أحدها اعتبارك -شخصياً- رمزاً لحضارة وتاريخ يقدسهما مليار مسلم حول العالم. لكن إذا كنت أنت بذاتك مُفرغاً من معاني الاتصال بهذا الموروث، فكيف يسعك حينها أن تتشدق بانتمائك الجغرافي؟ وكيف ستفلح في تنشئة جيل يأتي من صلبك ويطالبك بأن تنمي فيه الشعور بأن (التاريخ) يدين له بالكثير.. رغماً عن كل مظاهر الإنهزامية التي تغرق واقعه؟
الحديث عن نظرتنا للآثار التاريخية في هذه البلاد ما فتئ يشكل مجال أخذ ورد بين الداعين للحفاظ عليها والقائلين بفضل مساواتها بالتراب. لكن فيما تتعاقب فصول الحوار، فإن الواقع لا يثبت سوى مزيد من التعدي على رموز الماضي تحت ذرائع شتى لا تحفل بأي من حجج المتباكين على التاريخ. ولطالما كان هاجس (البِدعة) والخوف من مظاهر الشرك عذراً مفضلاً لدى القائمين على هدم المعالم الأثرية والإسلامية خاصة!
لكن الملاحظ أن الضربات الاستباقية للـ (خطر) الكامن في آثار بلادنا يتجاوز تلك المقترنة برفات الأموات ومواضع دفنها، بل ويتعداها لما يقترن بالحقبة الإسلامية من تاريخ الجزيرة ليشمل كل ما يمت للماضي بصلة. وهو ما تثبته جولة عشوائية تبدأ بمسجد (جواثا) وقلعة تاروت، وعبر خرائب دومة الجندل ومسجد عمر، مروراً بالعُلا القديمة وحصون خيبر وربما انتهاء بالأخدود في نجران.
تلك المعالم هي كلها جزء من تاريخ هذه الأرض التي منها نبت ابن هذه البلاد. وهي كلها ترمز لوقائع وأحداث في صميم تركيبتنا التاريخية و(خصوصيتنا) الأسطورية التي طالما فاخرنا بها. وقيمتها الوجدانية لم تزل تغذي إنتماءنا على النحو ذاته الذي يبهرنا به شموخ (المصمك) وتشجينا به أطلال (الدرعية) القديمة. والقول بأن تلك الآثار ليست سوى مجرد أحجار "لا تضر ولا تنفع"، هو قول مطلق الصحة يجدر أن يعيه في البدء المتخوفون من تأثيرها (المدمر) المفترض على عقيدة عمرها ألف وأربعمائة عام لا يليق أن يظهرها أتباعها بمظهر المتهاوي أمام بقايا التاريخ!
بالعودة للمدينتين المقدستين، فإن الاستراتيجية القائمة على تدمير الآثار المقترنة تحديداً بكل ماهو (إسلامي) مخافة الفتنة كانت تقتضي ألا يترك جيل (السلف)، وهم من هم في صفاء العقيدة، حجراً على حجر من آثار النبوة بهما.. لا سيما بعد رحيل القرن الأول الذي انتفى انتفاعه بتلك الآثار من دور ومقابر وآبار. لكن أياً من ذلك لم يحدث. وإن كانت ثمة بدع منتشرة في زماننا فهذه لم توجدها تلك المعالم، ولا هي ستزول بزوالها. بل كان الأولى بنا كغيورين على العقيدة النقية أن نبادر لمواجهة الفكر بالفكر والحجة بالحجة طالما نحن نروج للإسلام كدين عقلاني قائم على المنطق والإقناع، عوضاً أن نستخدم معاول الهدم لنؤاخذ أمتنا بأسرها بما يفعل السفهاء منها. ناهيك عن الحقيقة التي كثيراً ما نتخطاها كوننا مجرد (أوصياء) على هذه البقاع التي أكرمنا الله تعالى بشرف خدمتها وصيانة موروثها التاريخي والثقافي الذي تمتلكه أمة الإسلام بأسرها وتأتمننا نحن عليه.
اليوم تعلو أصوات آسفة في أرجاء العالم يحزنها ما يعانيه إرثها الإسلامي في بلاد الحرمين. وهي أصوات لا تدعو للبدعة ولا يرضيها الشرك بالله، لكن يسوءها وهي تكابد تيارات العولمة والتغريب أن تصلها أنباء باندثار مسجد مشربة (أم إبراهيم) وبئر (أريس) بالمدينة المنورة، وبيت النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، ومدرسة (السيد العريض) وسواها. هؤلاء (المسلمون) يهمهم كذلك أن يبقى تراث الدول الإسلامية الغابرة عباسية وعثمانية شاهداً على تاريخ الأمة الموحد وعبرة لماضٍ ليس ببعيد عملاً بالإرشاد القرآني. هم يعون جيداً أن بقاء الدين ليس مقترناً بهذه (الأحجار)، لكنهم كذلك يفهمون أن عِبر التاريخ ووشائج الروح لن تكفي لترسيخها جلسات الصبية حول الجدود المتهالكين ولا الصفحات المصفرة الحافلة بالأسماء والتواريخ الصماء.
الداعون لحفظ التاريخ هنا وهناك يتكلمون من واقع جيل يعاني هوية مفقودة لم تعد الممارسة المكرورة تكفي لتربطه بتراثه مع وجود تراث مضاد هو ملء السمع والبصر. والأحجار التي لا تضر هي ربما تنفع لتثبت فكرة أو تذكر بواقعة أو تحلق بالروح للماضي لتفعل ما يعجز عنه الخطيب والكتاب. وليكونن من المخجل أن تتعالى ذات النداءات اليوم للذود عن حمى الموروث الإسلامي في القدس وفي قرطبة كذلك!
حتى أفواج الحجيج الذين شرفنا الله بخدمتهم، والذين تبهرهم ولا شك المشاريع العملاقة التي نفذت لتجعل من رحلات حجهم نزهات مريحة، هؤلاء الذين يقض مضاجعنا رضاهم ينبغي أن نتفهم كيف تدمى قلوبهم كذلك لافتقادهم لمشاهد هي أسمى وأعمق بكثير من أطنان الرخام والخرسانة التي يغمر بها المقاولون شواهد التاريخ ليوفروا لضيوف الرحمن مزيداً من الأبراج والشقق.
الجيل القادم من أبناء هذه البلاد، في افتقاره لما يربطه بشخصية هذه الأرض، ليس بأفضل حالاً من الحجيج والسياح. نحن ندين له بحق تعريفه بمن يكون ولمن ينتمي، وندين له بالاعتذار عن تقديم مفهوم (التاريخ) له كامتداد لثقافة (الطفرة)، وللاستهلاكية المادية التي تسارع لاستبدال القديم، ولو كان هوية متجذرة في قلب التاريخ، لم يتبق منها إلا حجارة إنما لا تعوض بثمن.
جريدة اليوم 1/8/1426هـ