اثير99
21-Oct-2003, 02:06 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه ومن والاه ومن تلعه باحسان الى يوم الدين ......... اما بعد ... ابدا بالذي هو خير
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
الأوطان منذ نشأة الدول في فجر التاريخ ، هي المأوى والمستقر لمواطنيها، فهي تجمعهم في نظام مقنن له وسائل حمايته المنظمة ، وتلك الوسائل هي واجبات تقع مسئولية جزء منها على الفرد وتقع مسئولية الجزء الآخر على الأجهزة وهي في وقتنا الحاضر، أنظمة الدولة ، التي تقوم بتنظيم العلاقة بين الفرد ( المواطن) والدولة ، من جهة ، وفيما بين الأفراد ( المواطنين ) ، من جهة أخرى . وهناك قسم آخر من العلاقات يقوم بين الدولة بأجهزتها المختلفة ودول أخرى مجاورة وغير مجاورة تحكمه نظم خاصة ، وتقوم الدولة بالإشراف عليه ، فيما يعرف بالعلاقات الخارجية ، ومن جانب آخر ترعاه منظمات أممية وإقليمية لضمان سير العلاقات الدولية وفقاً لشروط المنظومة الدولية.
وكل هذه الأنواع من العلاقات تحكمها ضوابط تبين واجبات وحقوق كل طرف. وبقيام كل طرف بمسؤولياته وباحترام كل طرف لحقوق الأطراف الأخرى ومراعاتها، يتم التناسق والانسجام، سيراً نحو الهدف الذي يؤدي في نهاية المطاف إلى استمرارية الدولة وتطورها ورقيها، فتتحقق بذلك مصالحها العليا ومصالح مواطنيها في العيش الكريم . فتسود الوحدة الوطنية ويعم السلم والأمن والكفاية للجميع حكاماً ومحكومين. ولكن آفة ذلك كله هو التفريط من جانب أحد الأطراف المذكورة أو بعضها في واجباتها ومسئولياتها المنوطة بها ، أو سعي طرف أو بعض أطراف هذا العقد الاجتماعي المتناسق إلى التغول على حقوق الأطراف الأخرى وذلك بانتهاكها . ومن هنا تنشأ النزاعات والفتن والتمرد والتكتلات والحروب، ويحدث في آخر الأمر ما لا تحمد عقباه .
ولا نسى أن تلك العلاقات المشار إليها سالفا تقوم بوضع نظم لحل النزاعات بين الأفراد ( المواطنين) من جهة ، وكذلك ، ومن أجل الحفاظ على وحدة الدولة ، وضعت تشريعات مستمدة ( في بلداننا الاسلامية) ، من شرع الله الحنيف وفي بلاد أخرى تستمد التشريعات من دساتير وضعية . ويعتبر الخروج على تلك االقواعد المنظمة للعلاقات خروجا يضر بوحدة الأمة . لذلك نجد من ضمن تلك القواعد المنظمة تدابير واقية وأخرى رادعة لكل من يتحدى إرادة الأمة ويسعى إلى ارتكاب ما يؤدي إلى تفتيت وحدتها وانتهاك نظمها وتهديد وجودها . ونظراً لأهمية احترام إردة الأمة ووحدتها فقد أفاضت الأمم في التحذير من ارتكاب مهددات الوحدة بل تسعى في معظم الأحيان إلى اتخاذ إجراءات عملية تمنع وقوع الفتن بقدر المستطاع . ولكن الفتن واقعة لا محالة .
وبما أن الأنبياء هم أول من قامت الأمم على أيديهم ، فما من نبي من الأنبياء والمرسلين إلا وقد حذر قومه من الفتن. ولاشك أن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، هو أكثر الأنبياء تحذيراً لأمته من السقوط في الفتن. والفتنة في الأصل هي الابتلاء، وهي المحنة والعذاب والشدة، كالكفر والإثم والفضيحة، فإن كانت من الله فهي على وجه الحكمة وإن كانت من الإنسان بغير أمر الله، فهي مذمومة وقد ذم الله سبحانه وتعالى الساعين في الفتن من الناس بقوله( والفتنة أشد من القتل) " سورة البقرة 191 "، لقوله تعالى، ( إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات) "سورة البروج ، 10 "
وقوله تعالى ( ولنبلونكم بالخير والشر فتنة)" سورة الأنبياء، 35. والتحذير من الفتن له أهمية خاصة ذلك لأن الفتن تعصف بالأمة جمعاء وتوردها الهلاك. وقد بلغت شدة التحذير من الفتنة أن شرها لا يقتصر على الذين ظلموا فقط بل يعم شرها ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ) سورة الأنفال ،25 " . ومن أسباب الفتن أمور كثيرة منها إقرار المنكر والرضى به والمداهنة في الأمر بالمعروف ، وافتراق الكلمة وظهور البدع ،والتكاسل في الجهاد ، والتشرذم والتحزب تحت دعاوى قد تكون براقة في ظاهرها ولكنها تخفي في باطنها بذور الفتن التي هي سبب الهلاك الجماعي والإفساد الكبير في الأرض، وهلاك الحرث والنسل وسقوط الدول وإضعافها وذهاب قوتها وسلطانها . فكم من دولة كانت أمنة مصانة متماسكة بسبب التفاف مواطنيها حول حكامهم في انسجام تام ، مكونين أسرة واحدة ، يقوم أولياء الأمر فيها برعاية مصالح الأمة . والوطن يبدو هكذا متناسقا كالبيت الواحد . ولكن كم من البلاد في عالمنا هذا تصمد وتبقى متحدة بفضل مواطنيها وحرصهم وصدقهم في سبيل الوحدة الوطنية ،لا سيما وهي أغلى وأرفع من كل دعاوى التشرذم والتمزق. ولعل الأمم أو الدول الكبرى قد وعت هذا الدرس جيدا بعدما عانت من ويلات التمزق في الماضي . فنجد المواطن فيها يتفانى في خدمة وطنه والسهر على رفعته ووحدته ، ناكرا ذاته ، مضحيا بمصالحه الشخصية في سبيل المصلحة العامة التي تعتبر أولى لبنات وحدة الوطن . بل نجد بعض تلك الدول اليوم وقد تمحورت في اتحادات إقليمية لتزداد قوة على قوتها وتعزيز وحدتها الإقليمية فضلاً عن الوحدة الوطنية. كل ذلك سعياً منها لتفادي سلبيات الماضي والمآسي التي مرت بها . وما سقوط الدولة الإسلامية الكبرى والامبراطورايات التي كانت لاتغيب عنها الشمس إلا بسبب الفتن التي أدت إلى الحروب فأتت على الأخضر واليابس، فأصبحت أثراً بعد عين، بعد أن كانت تدين لها الدنيا كلها بالولاء والطاعة.
وقد وردت أحاديث كثيرة يحذر فيها الرسول صلى الله عليه وسلم أمته من الانزلاق وراء الأهواء ولآراء المؤدية إلى تفتيت وحدة الأمة وذلك لحرصه على نجاة أمته، كيف لا وهو الرحمة المهداة . وأخرج أبو داوود وأحمد ( عن كرز بن علقمة الخزاعي قال : سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم : هل للإسلام من منتهى؟ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أيما أهل بيت من العرب أو العجم أراد الله بهم خيراً أدخل عليهم الإسلام) ، فقال ثم ماذا؟ قال: ( ثم تقع الفتن كالظلل) ، فقال الرجل كلا والله أن شاء الله ، قال : ( بلى والذي نفسي بيده لتعودن فيها أساود صبا يضرب بعضكم رقاب بعض )أخرجه البيهقي، قال الزهري : أساود صباً : الحية السوداء إذا أراد أن ينهش ارتفع هكذا ، ثم انصب.
ومن الأحاديث المحذرة من السعي في الفتن، حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، ومن تشرف لها تستشرفه، فمن وجد فيها ملجأ أو معاذاً فليعذ به) رواه البخاري ، وفي رواية لمسلم ( تكون فتنة النائم فيها خير من اليقظان ، واليقظان فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير من الساعي ، فمن وجد ملجأً أو معاذأ فليستعذ ) . هذا الحديث يحذر من الدخول والسعي في الفتن وأن شرها يكون بحسب الدخول فيها، والمراد بالفتن هنا ما ينشأ من الاختلاف في طلب الملك، حيث لا يعلم المحق من المبطل. لا شك أن الوحدة الوطنية ونبذ الفرقة والشتات والالتفاف حول أهداف الوطن العليا وأمنه وإتباع وطاعة أولياء أمره الساعين دوما إلى تحقيق المصلحة العليا، واجب ديني ووطني.
ومن الأحاديث الداعية إلى التشديد على وجوب لزوم الجماعة وطاعة أولي الأمر، حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير
وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر ؟ ، قال: ( نعم )، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير، قال: ( نعم، وفيه دخن )، قلت وما دخنه ؟ قال ( قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر ) قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر ؟ ، قال: (نعم دعاة على أبواب جهنم ، من أجابهم إليها قذفوه فيها ) ، قلت يا رسول الله ، صفهم لنا ، قال : ( هم من جلدتنا يتكلمون بألسنتنا) ، قلت : فما تأمرني إن أدركني ذلك ؟ قال : ( تلزم جماعة المسلمين وإمامهم ، قلت : فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام ، قال:( فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك) أخرجه البخاري ومسلم وابن ماجة
.
وقال صاحب فتح الباري ( وهو كناية عن لزوم جماعة المسلمين وطاعة سلاطينهم ولو عصوا . وهذا أمر واضح بلزوم جماعة المسلمين وترك الخروج عن أئمة الجور وذلك لأنه وصف الطائفة الأخرى بأنهم دعاة على أبواب جهنم ، ولم يقل فيهم تعرف وتنكر كما قال في الأولين ، وهم لا يكونون كذلك إلا وهم على غير حق . ولزوم الجماعة مقصود به لزوم الجماعة الذين في طاعة من اجتمعوا على تأميره ، فمن نكث بيعته خرج عن الجماعة.
ومن الأحاديث الداعية إلى وجوب طاعة أولي الأمر ، عن عبد الله بن عمر بن العاص – رضي الله عنهما - ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم ، وينذرهم شر ما يعلمه لهم ، وأن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها ، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها ، فتجيء فتنة فيرقق بعضها بعضا ، فيقول المؤمن : هذه مهلكتي ، ثم تنكشف، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن : هذه وهذه ، فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة ،فلتأتيه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ، وليأت إلى الناس بما يحب أن يؤتى إليه ، ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه ، فليطعه ما استطاع ، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر) أخرجه مسلم والنسائي
ومن ثم ، فها فنحن نرى في هذا العالم اليوم ، من حولنا دولاً تتساقط وتتمزق وتقطع أوصالها . وأخرى يتآمر بعض بنيها مع آخرين سعياً إلى إحداث انقلابات لإسقاط أنظمة الحكم فيها. ومجموعات أخرى تساند الغزاة من الخارج والطامعين في الثروات والمواقع الاستراتيجية والتوسعية. وآخرون يرون أن رد الظلم ينبغي أن يكون بالتمرد على السلطة المركزية.
كل تلك الأمور تؤدي في الغالب إلى الاقتتال والحروب الأهلية الطاحنة بين أبناء الوطن الواحد ،والتي لا تبقي ولا تذر . وما من حرب نشبت في دولة ما إلا و نجد من يتربص بها من الأعداء ، فتارة يمد هذا الطرف بالسلاح باتفاق يتيح لذلك العدو الحصول على شيء من مقدرات تلك الدولة ، وفي ظاهر الأمر يأتي التدخل تحت مظلة الشرعية الدولية أو الإقليمية أو حقوق الإنسان إو .... الخ . ويأتي عدو آخر يمد مجموعة أخرى من الفرقاء بما يطلبون ويملي عليهم شروطه ( الخفية) تحت مظلة الصداقة . حتى إذا جنحت الأطراف المتحاربة للسلم ، جاء أصدقاء كل طرف بشروطهم . وعندئذ يكتشف الذين تحاربوا وأزهقوا الأرواح وأهلكوا الحرث والنسل أن حربهم كانت لصالح الأعداء .
اخوكم
اثير99
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه ومن والاه ومن تلعه باحسان الى يوم الدين ......... اما بعد ... ابدا بالذي هو خير
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
الأوطان منذ نشأة الدول في فجر التاريخ ، هي المأوى والمستقر لمواطنيها، فهي تجمعهم في نظام مقنن له وسائل حمايته المنظمة ، وتلك الوسائل هي واجبات تقع مسئولية جزء منها على الفرد وتقع مسئولية الجزء الآخر على الأجهزة وهي في وقتنا الحاضر، أنظمة الدولة ، التي تقوم بتنظيم العلاقة بين الفرد ( المواطن) والدولة ، من جهة ، وفيما بين الأفراد ( المواطنين ) ، من جهة أخرى . وهناك قسم آخر من العلاقات يقوم بين الدولة بأجهزتها المختلفة ودول أخرى مجاورة وغير مجاورة تحكمه نظم خاصة ، وتقوم الدولة بالإشراف عليه ، فيما يعرف بالعلاقات الخارجية ، ومن جانب آخر ترعاه منظمات أممية وإقليمية لضمان سير العلاقات الدولية وفقاً لشروط المنظومة الدولية.
وكل هذه الأنواع من العلاقات تحكمها ضوابط تبين واجبات وحقوق كل طرف. وبقيام كل طرف بمسؤولياته وباحترام كل طرف لحقوق الأطراف الأخرى ومراعاتها، يتم التناسق والانسجام، سيراً نحو الهدف الذي يؤدي في نهاية المطاف إلى استمرارية الدولة وتطورها ورقيها، فتتحقق بذلك مصالحها العليا ومصالح مواطنيها في العيش الكريم . فتسود الوحدة الوطنية ويعم السلم والأمن والكفاية للجميع حكاماً ومحكومين. ولكن آفة ذلك كله هو التفريط من جانب أحد الأطراف المذكورة أو بعضها في واجباتها ومسئولياتها المنوطة بها ، أو سعي طرف أو بعض أطراف هذا العقد الاجتماعي المتناسق إلى التغول على حقوق الأطراف الأخرى وذلك بانتهاكها . ومن هنا تنشأ النزاعات والفتن والتمرد والتكتلات والحروب، ويحدث في آخر الأمر ما لا تحمد عقباه .
ولا نسى أن تلك العلاقات المشار إليها سالفا تقوم بوضع نظم لحل النزاعات بين الأفراد ( المواطنين) من جهة ، وكذلك ، ومن أجل الحفاظ على وحدة الدولة ، وضعت تشريعات مستمدة ( في بلداننا الاسلامية) ، من شرع الله الحنيف وفي بلاد أخرى تستمد التشريعات من دساتير وضعية . ويعتبر الخروج على تلك االقواعد المنظمة للعلاقات خروجا يضر بوحدة الأمة . لذلك نجد من ضمن تلك القواعد المنظمة تدابير واقية وأخرى رادعة لكل من يتحدى إرادة الأمة ويسعى إلى ارتكاب ما يؤدي إلى تفتيت وحدتها وانتهاك نظمها وتهديد وجودها . ونظراً لأهمية احترام إردة الأمة ووحدتها فقد أفاضت الأمم في التحذير من ارتكاب مهددات الوحدة بل تسعى في معظم الأحيان إلى اتخاذ إجراءات عملية تمنع وقوع الفتن بقدر المستطاع . ولكن الفتن واقعة لا محالة .
وبما أن الأنبياء هم أول من قامت الأمم على أيديهم ، فما من نبي من الأنبياء والمرسلين إلا وقد حذر قومه من الفتن. ولاشك أن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، هو أكثر الأنبياء تحذيراً لأمته من السقوط في الفتن. والفتنة في الأصل هي الابتلاء، وهي المحنة والعذاب والشدة، كالكفر والإثم والفضيحة، فإن كانت من الله فهي على وجه الحكمة وإن كانت من الإنسان بغير أمر الله، فهي مذمومة وقد ذم الله سبحانه وتعالى الساعين في الفتن من الناس بقوله( والفتنة أشد من القتل) " سورة البقرة 191 "، لقوله تعالى، ( إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات) "سورة البروج ، 10 "
وقوله تعالى ( ولنبلونكم بالخير والشر فتنة)" سورة الأنبياء، 35. والتحذير من الفتن له أهمية خاصة ذلك لأن الفتن تعصف بالأمة جمعاء وتوردها الهلاك. وقد بلغت شدة التحذير من الفتنة أن شرها لا يقتصر على الذين ظلموا فقط بل يعم شرها ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ) سورة الأنفال ،25 " . ومن أسباب الفتن أمور كثيرة منها إقرار المنكر والرضى به والمداهنة في الأمر بالمعروف ، وافتراق الكلمة وظهور البدع ،والتكاسل في الجهاد ، والتشرذم والتحزب تحت دعاوى قد تكون براقة في ظاهرها ولكنها تخفي في باطنها بذور الفتن التي هي سبب الهلاك الجماعي والإفساد الكبير في الأرض، وهلاك الحرث والنسل وسقوط الدول وإضعافها وذهاب قوتها وسلطانها . فكم من دولة كانت أمنة مصانة متماسكة بسبب التفاف مواطنيها حول حكامهم في انسجام تام ، مكونين أسرة واحدة ، يقوم أولياء الأمر فيها برعاية مصالح الأمة . والوطن يبدو هكذا متناسقا كالبيت الواحد . ولكن كم من البلاد في عالمنا هذا تصمد وتبقى متحدة بفضل مواطنيها وحرصهم وصدقهم في سبيل الوحدة الوطنية ،لا سيما وهي أغلى وأرفع من كل دعاوى التشرذم والتمزق. ولعل الأمم أو الدول الكبرى قد وعت هذا الدرس جيدا بعدما عانت من ويلات التمزق في الماضي . فنجد المواطن فيها يتفانى في خدمة وطنه والسهر على رفعته ووحدته ، ناكرا ذاته ، مضحيا بمصالحه الشخصية في سبيل المصلحة العامة التي تعتبر أولى لبنات وحدة الوطن . بل نجد بعض تلك الدول اليوم وقد تمحورت في اتحادات إقليمية لتزداد قوة على قوتها وتعزيز وحدتها الإقليمية فضلاً عن الوحدة الوطنية. كل ذلك سعياً منها لتفادي سلبيات الماضي والمآسي التي مرت بها . وما سقوط الدولة الإسلامية الكبرى والامبراطورايات التي كانت لاتغيب عنها الشمس إلا بسبب الفتن التي أدت إلى الحروب فأتت على الأخضر واليابس، فأصبحت أثراً بعد عين، بعد أن كانت تدين لها الدنيا كلها بالولاء والطاعة.
وقد وردت أحاديث كثيرة يحذر فيها الرسول صلى الله عليه وسلم أمته من الانزلاق وراء الأهواء ولآراء المؤدية إلى تفتيت وحدة الأمة وذلك لحرصه على نجاة أمته، كيف لا وهو الرحمة المهداة . وأخرج أبو داوود وأحمد ( عن كرز بن علقمة الخزاعي قال : سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم : هل للإسلام من منتهى؟ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أيما أهل بيت من العرب أو العجم أراد الله بهم خيراً أدخل عليهم الإسلام) ، فقال ثم ماذا؟ قال: ( ثم تقع الفتن كالظلل) ، فقال الرجل كلا والله أن شاء الله ، قال : ( بلى والذي نفسي بيده لتعودن فيها أساود صبا يضرب بعضكم رقاب بعض )أخرجه البيهقي، قال الزهري : أساود صباً : الحية السوداء إذا أراد أن ينهش ارتفع هكذا ، ثم انصب.
ومن الأحاديث المحذرة من السعي في الفتن، حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، ومن تشرف لها تستشرفه، فمن وجد فيها ملجأ أو معاذاً فليعذ به) رواه البخاري ، وفي رواية لمسلم ( تكون فتنة النائم فيها خير من اليقظان ، واليقظان فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير من الساعي ، فمن وجد ملجأً أو معاذأ فليستعذ ) . هذا الحديث يحذر من الدخول والسعي في الفتن وأن شرها يكون بحسب الدخول فيها، والمراد بالفتن هنا ما ينشأ من الاختلاف في طلب الملك، حيث لا يعلم المحق من المبطل. لا شك أن الوحدة الوطنية ونبذ الفرقة والشتات والالتفاف حول أهداف الوطن العليا وأمنه وإتباع وطاعة أولياء أمره الساعين دوما إلى تحقيق المصلحة العليا، واجب ديني ووطني.
ومن الأحاديث الداعية إلى التشديد على وجوب لزوم الجماعة وطاعة أولي الأمر، حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير
وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر ؟ ، قال: ( نعم )، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير، قال: ( نعم، وفيه دخن )، قلت وما دخنه ؟ قال ( قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر ) قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر ؟ ، قال: (نعم دعاة على أبواب جهنم ، من أجابهم إليها قذفوه فيها ) ، قلت يا رسول الله ، صفهم لنا ، قال : ( هم من جلدتنا يتكلمون بألسنتنا) ، قلت : فما تأمرني إن أدركني ذلك ؟ قال : ( تلزم جماعة المسلمين وإمامهم ، قلت : فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام ، قال:( فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك) أخرجه البخاري ومسلم وابن ماجة
.
وقال صاحب فتح الباري ( وهو كناية عن لزوم جماعة المسلمين وطاعة سلاطينهم ولو عصوا . وهذا أمر واضح بلزوم جماعة المسلمين وترك الخروج عن أئمة الجور وذلك لأنه وصف الطائفة الأخرى بأنهم دعاة على أبواب جهنم ، ولم يقل فيهم تعرف وتنكر كما قال في الأولين ، وهم لا يكونون كذلك إلا وهم على غير حق . ولزوم الجماعة مقصود به لزوم الجماعة الذين في طاعة من اجتمعوا على تأميره ، فمن نكث بيعته خرج عن الجماعة.
ومن الأحاديث الداعية إلى وجوب طاعة أولي الأمر ، عن عبد الله بن عمر بن العاص – رضي الله عنهما - ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم ، وينذرهم شر ما يعلمه لهم ، وأن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها ، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها ، فتجيء فتنة فيرقق بعضها بعضا ، فيقول المؤمن : هذه مهلكتي ، ثم تنكشف، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن : هذه وهذه ، فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة ،فلتأتيه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ، وليأت إلى الناس بما يحب أن يؤتى إليه ، ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه ، فليطعه ما استطاع ، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر) أخرجه مسلم والنسائي
ومن ثم ، فها فنحن نرى في هذا العالم اليوم ، من حولنا دولاً تتساقط وتتمزق وتقطع أوصالها . وأخرى يتآمر بعض بنيها مع آخرين سعياً إلى إحداث انقلابات لإسقاط أنظمة الحكم فيها. ومجموعات أخرى تساند الغزاة من الخارج والطامعين في الثروات والمواقع الاستراتيجية والتوسعية. وآخرون يرون أن رد الظلم ينبغي أن يكون بالتمرد على السلطة المركزية.
كل تلك الأمور تؤدي في الغالب إلى الاقتتال والحروب الأهلية الطاحنة بين أبناء الوطن الواحد ،والتي لا تبقي ولا تذر . وما من حرب نشبت في دولة ما إلا و نجد من يتربص بها من الأعداء ، فتارة يمد هذا الطرف بالسلاح باتفاق يتيح لذلك العدو الحصول على شيء من مقدرات تلك الدولة ، وفي ظاهر الأمر يأتي التدخل تحت مظلة الشرعية الدولية أو الإقليمية أو حقوق الإنسان إو .... الخ . ويأتي عدو آخر يمد مجموعة أخرى من الفرقاء بما يطلبون ويملي عليهم شروطه ( الخفية) تحت مظلة الصداقة . حتى إذا جنحت الأطراف المتحاربة للسلم ، جاء أصدقاء كل طرف بشروطهم . وعندئذ يكتشف الذين تحاربوا وأزهقوا الأرواح وأهلكوا الحرث والنسل أن حربهم كانت لصالح الأعداء .
اخوكم
اثير99