طارق الفهد
18-Oct-2003, 08:03 PM
من يعوّض انهيار القمم العربية والإسلامية بعد قمة منظمة مؤتمر العالم الإسلامي 2003م
لم تعد لمؤتمرات القمّة العربية والإسلامية قيمة تستحق الذكر، ولم يعد يلتفت إلى ما تصنع أو لا تصنع وتقول أو لا تقول.. إلا بمقدار ما يسمح بلفت الأنظار عن قضايا كبرى مثل قضية فلسطين والعراق وأفغانستان والشاشان، إلى قضايا جانبية ومفتعلة، مثل الحملة السياسية والإعلامية على رئيس وزراء ماليزيا بعد قمة منظمة المؤتمر الإسلامي عام 2003م.
انحدار القمم نحو الحضيض
الأصل هو أنّ العلاقات العالمية، الثنائية والجماعية، وأنّ المنظمات الدولية، إقليمية وعالمية، تنتقل مرحلة بعد أخرى من بداية متواضعة، إلى النجاح التدريجي باتجاه الهدف الذي قامت من أجله.. أمّأ القمم العربية والإسلامية فقد فقدت قيمتها وهي تنحدر درجة بعد أخرى، من وجود تفاعلي مع الحدث، إلى وجود كلامي، إلى وجود انعدامي.
إذا أردنا "الصعود" فلنتأمّل كيف كان "الانحدار"!..
قبل سنوات.. كان كلّما انعقد لقاء على مستوى القمة، تكرّر الحديث عن أنّ العرب والمسلمين –وإن تفرّقت بهم السبل- يجتمعون عند تفاقم خطر داهم، لا سيما إذا ارتبط بقضية فلسطين.. وكأنّ المطلوب من لقاءات القمة أن تكون "حبوب تهدئة وحقن تخدير" نحتاج إليها عند الخطر فحسب.. ولا نقلّل من قيمة "استشعار" الخطر الخارجي، ولكن كان من أسباب الانحدار ذلك التمسّك الفكري والإعلامي والسياسي بهذا الروتين الخطير الضعيف إخراجا ومضمونا، العاجز عن التأثير جملة وتفصيلا، الحافل بمبررات واهية لعدم تحرّك المسؤولين عند اسـتفحال الخطر وعلى الدوام، ليغيّروا الواقع في بلدان هم يحكمونها، وهم يحملون المسؤولية عن ردم الهوّة المصنوعة بينها، بالوسائل العملية المعروفة بين دول الأرض.. كأن يضاعفوا حجم تجارتهم البينية، ويوجهوا مشروعاتهم الاستثمارية محليا، أو أن يمدّوا -على الأقل- خطوط المواصلات والاتصال عبر الحدود، ويسهّلوا تنقل الأشخاص والمعلومات والسلع.. فهذا جميعه شرطٌ يملكون هم توفيره في سائر الأوقات، كيلا يظهروا في مظهر العجز ساعة وقوع النوائب والكوارث..
قبل فترة وجيزة نسبيا أصبح الحديث عند انعقاد لقاء على مستوى القمة، يركّز على أنّ مجرّد انعقاده "إنجاز"، فلنشعر بالارتياح والامتنان، ولنتفاءل بتحسّن أوضاعنا.. وكأنّ المقصود هو العزاء لبقاء تلك القمم دون مستوى حدّ أدنى يثير فعلا الارتياح والاطمئنان والتفاؤل على المستوى الشعبي. ولا نقلّل من قيمة "مجرّد الالتقاء"، ولكن كان علينا وفق تلك الاقوال المنتشرة في المواقف السياسية والكتابات الإعلامية والفكرية، أن نبقى بمطامحنا عند هذه المستوى الهزيل تجاه الدول العربية والإسلامية، التي طالما تكرّر الحديث عن مساحتها وطاقتها البشرية ونسبتها العددية في المحافل الدولية، وعن إمكاناتها الذاتية، بدءا بالطاقة التي تشغّل مصانع الغرب.. وانتهاء بالأدمغة المهاجرة والمهجّرة إلى دول غربية!..
قمّة.. في عالم آخر!..
ألوف الشهداء الساحة الفلسطينية.. وعشرات الالوف من المصابين.. واجتياحات يومية.. وحصار.. ومعاناة.. واختراقات للأجواء اللبنانية.. وأخيرا غارة عسكرية على أراض سورية..
مقابل ذلك تشهد آخر قمم منظمة مؤتمر العالم الإسلامي ضغوطا من بعض دولها على بعضها الآخر، كيلا تكون "لهجة الخطاب" – ناهيك عن الأعمال والأفعال- عنيفة تجاه واشنطون، بل يتحدّث الخطباء "العقلاء" عن أمر مثل احتلال العراق، فيتجنّبون التصريح بذكر دولة الاحتلال باسمها الصريح.. بل على النقيض من ذلك، تحوّلت الأحاديث السابقة عن "اعتراف مؤقت" بمجلس حكم انتقالي "مؤقّت" في العراق، غلى تعامل اعتيادي، وكأنّ المجلس هو مجلي حكم حقيقي!..
هل هذه هي رسالة الدول السبع والخمسين الأعضاء في المنظمة، إلى العرب والمسلمين، الثكالى جميعا بسقوط من يسقط من شهداء فلسطين.. والعراق.. وأفغانستان.. والشاشان.. وكشمير.. وجنوب الفيليبين.. وأخواتها!..
ما قيمة أي بيان ختامي ما دام خاليا من أي قرارات أو إنذار باتخاذ قرارات إذا استمر التقتيل والتدمير، على كثرة ما في البيان من كلمات الإدانة والشجب والمناشدة والتأكيد وما شابه ذلك.. فمتى ترتفع "القمة" بأفعالها وليس بأقوالها، إلى مستوى "الشعوب"، إلى مستوى رجل الشارع.. وعلام يستطيع كل مسؤول أن يرقى داخل بلده إلى مستوى القرار في كل قضية أمنية قد تهدد سلطته، فلا يعجز عن التحرّك –بل بوحشية همجية أحيانا- ولكن لا يرقى إلى مستوى القرار في قضايا أمنية تهدد شعبه وأمته وأجيال المستقبل؟..
إنّ مجرّد حديث بعض من تحدّث أو كنب عن نتائج تلك القمّة بأسلوب التضخيم من شأنها، أو التهوين من شأن اكتفائهما بالكلام، يمثل سلوكا خطيرا رغم التبرير التقليدي بأمر بالغ الأهمية، وهو الحرص على تجنّب إثارة الفتنة، فالواقع أن الغليان بلغ مداه وكاد صبر الجماهير الواعية أن ينفذ.
الخطورة الأكبر تكمن في كثرة الامتناع عن اتخاذ قرارات حاسمة وخطوات عملية، مؤتمرا بعد مؤتمر وقمة بعد قمة ومأساة بعد مأساة.. فهذا سلوك يؤدّي إلى تراكم إحباط على إحباط، وغليان فوق غليان، وغضب بعد غضب، أفلا يُخشى أن تصبح التهدئة المطلوبة نفسها سببا في تراكم أخطار فتنة محذورة، قد يأتي انفجارها آنذاك وكأنّه حدث مفاجئ وقد يكون جارفا لا يمكن ضبطه.
ثم إنّ التهوين من شأن الامتناع عن اتخاذ قرارات حاسمة وخطوات عملية، لم يعد يوهم أحدا بأنّنا نواجه عجزا حقيقيا، فنحن نعاني من عجز مصطنع، تنتجه سياسات الكلام دون العمل، وردود الفعل بدلا من التخطيط، والتهدئة بدلا من الاستيعاب والتعبئة.. فلا جدوى من تعليل العجز الجديد بعجز سابق، وتعليل القعود عن التحرّك الآن بالقعود عن التحرك فيما مضى، فهذه الحلقة المفرغة أصبحت مكشوفة، ويجب كسرها بإقدام المسؤولين عنها أنفسهم على تحرّك فعلي بدلا من الكلام عن ضرورة التحرّك، ولقد كان يؤمل أن يقع التحرّك دون خوف ولا وجل، تحت تأثير ما نشهد من بطولات استشهادية وأطفال لا يخافون الموت.. وبالمقابل يُخشى أن تكون خيبة الأمل على المستوى الشعبي، أشدّ من أن يمكن ضبط نتائجها هذه المرة.
إنّ العجز ناجم عن أنّ جميع البلدان الإسلامية.. وجميعها ذات علاقة مباشرة بخلل موازين التسلّح على حسابها وحساب وجودها، تترك دولة من بينها مثل إيران تتعامل وحدها مع الحصار الغربي حولها لتمتنع عن بحوث سلام نووية.. وهي تنفي عن نفسها أي تفكير بصناعة أسلحة نووية، وكأنّ قيام دولة إسلامية بصناعتها "جريمة" وقيام دولة غير إسلامية بصناعتها "حقّ مشروع"!!..
والعجز ناجم عن أنّ جميع البلدان الإسلامية.. وجميعها تتعرّض لخطر مباشر أو غير مباشر من الثنائي الصهيوني-الأمريكي ومساعي هيمنته العالمية، تترك دولة من بينها مثل سورية، أمام غارة عدوانية، وجلّ "ما تنصح" به.. هو أن تنكمش سورية على نفسها أكثر، وتخضع للمطالب العدوانية أكثر، وتستجيب للرغبات الصهيونية-الأمريكية أكثر.. وعلى قدر ما تصنع ذلك تجد "التضامن العربي والإسلامي" يزداد، وإن لم تصنع، فإمّا أنّها لا تجده، أو يبقى في حدود الكلمات المخادعة للشعوب!..
العجز مصنوع صنعا.. لأن الحكومات القائمة في البلدان الإسلامية حكومات تعيش في عالم آخر، يمكن أن يكون عالم المكاسب المادية الذاتية لبعضها، وجنون العظمة لبعضها الآخر، والخوف على كراسي لا قيمة لها لفريق ثالث.. ولكن الحصيلة واحدة، فما تصنعه ليس "سياسة" وفق مفهوم هذه الكلمة، علميا.. منهجيا.. واقعيا.. أو بأي منظور معتبر لمفهوم السياسة!.
الأنكى من ذلك عدم تطابق الحجج الرسمية المعلنة للعجز المزعوم مع الأسباب الحقيقية للقعود، فكم تردّد أنّ الدول العربية غير قادرة على خوض الحرب، في قضية مصيرية كقضية فلسطين، هذا مع عدم وجود مطالبة جادّة بإعلان الحرب على الفور، ولكن تأتي هذه الحجة ردّا على مجرد المطالبة بمقاطعة استيراد آلات زراعية أوالامتناع عن فتح مكتب تجاري، أو ما شابه ذلك.. فهل بلغ العجز هذا المستوى حقيقة، وأي سلطة تستحق تسميتها سلطة، ولا تستطيع الإقدام على مثل تلك الخطوات؟.. هل نحن عاجزون فعلا.. أي لا نملك طاقات ولا إمكانات ذاتية ولا القدرة على التحرّك، أم فقدنا الإرادة السياسية الضرورية لاتخاذ القرار وتنفيذه، ولتحديد خطوات "وئيدة" تقوم مقام كلمات صاخبة وبيانات هادئة على السواء!..
تدافع المسؤولية
من أسوأ الأساليب المتبعة أن كلّ طرف يطالب الطرف الآخر بموقف حاسم أو خطوة عملية في ميدان معين، وبتجاهل أنه هو نفسه قادر على موقف حاسم آخر وخطوة عملية أخرى في ميدان آخر.. ولا يفعل.
كثيرا ما يأتي ذلك على لسان "أبواق التبرير" للسياسات الرسمية أو ما يسمّى سياسات عربية وإسلامية.. فترى فلانا من الإعلاميين أو "المفكّرين" في هذه الفضائية أو تلك، يندّد بقطر واتصالاتها بالساسة الصهيونيين، والمغرب واستقبالها لساسة إسرائيليين.. فإن قيل له وما يقول عن مصر أو الأردن، والعلاقات الديبلوماسية برعاية رسمية ومعارضة شعبية، وهو من هذا البلد أو ذاك.. سارع إلى التبرير، مثبّتا لنفسه دور المرآة العاكسة لما تصنع حكومة بلده!..
على النسق نفسه، تطالب دول لا تملك النفط باستخدام النفط وسيلة للضغط على واشنطون، ولا تطالب نفسها بتخفيف الاعتماد –الضارّ لا النافع- على المستشارين من واشنطون.. وقد تلجأ دول نفطية إلى تقديم المال بحدود، وتتجاهل أنّ الأهمّ هو وقف ضخ المال في المصارف والمشاريع الاستثمارية الغربية لا سيّما الأمريكية.. وقد يطالب بعض الدول بالقتال وهي لا تملك القدرة الكافية على القتال، وتمتنع سائر الدول عن المطالبة بما تستطيع جميعا الإقدام عليه، مثل تبديل جزئي على الأقل لاحتياطيات الدولار النقدية في خزائن مصارفها المركزية.. أو إعداد المشرّدين من أبناء فلسطين على الأقل والمتطوّعين العرب والمسلمين لخوض معركة مستقبلية محتّمة.
إنّ ما نشهده هو "تدافع المسؤولية" على المستوى الرسمي مباشرة، أو على ألسنة إعلامية تتبنى المستوى الرسمي دون تحفظ، حتى باتت القضية برمّتها ضحية مزايدات مرفوضة، وباتت المطالب نوعا من التحايل على غضب الشعوب.. إنّما أصبحت الشعوب واعية لا يمكن تضليلها، وإن بقيت صابرة، فلصبر الشعوب حدود.
ولا استرسال بعيدا عن الموضوع عندما نشير إلى الخشية من اهتراء بعض المبادرات العملية خارج المستوى الرسمي أيضا، إذا غلب أسلوب الكلام على العمل.. ومثال ذلك ما كان بعض الفضائيات العربية يقوم به من حملات "تضامن" مع الانتفاضة الفلسطينية، وما كان يتردّد علنا بشأن الدعوة إلى المقاطعة الشعبية.. ولكن سرعان ما تحوّلت تلك الفضائيات إلى إلغاء مثل تلك الحملات، لحساب المزيد ممّا تحشو به الوقت حشوا من أفلام عتيقة ومستوردة، ومن مهرجانات إباحية وسخيفة، ومن عروض أزياء تتزايد عرضا بعد عرض جرأةً على خدش روح الاحتشام الشعبية المتزايدة رغم تلك السياسات الموجّهة، خارجيا وداخليا، من جانب الأعداء الصريحين والمتواطئين المحلّيين!..
ولا استرسال بعيدا عن الموضوع أيضا عند الإشارة إلى الخشية أيضا من أن تهترئ أيضا تلك الدعوات الصادرة بصورة متتالية قبل فترة وجيزة، ومتباطئة متباعدة في الوقت الحاضر، عن مئات العلماء والدعاة والمفكرين والإعلاميين، وهم يدعون إلى خطوات عملية، منها المقاطعة الشعبية للسلع والخدمات الأمريكية..
إن ما نحتاج إليه هو اقتران العمل بالقول، والبيانات بالإجراءات، والدعوات بالمخططات، فإن كانت "القمم" في الحضيض، لا بدّ أن يعوّض عن ذلك ارتفاع العاملين شعبيا إلى موقع القمّة الحقيقية، شعورا بالمسؤولية المشتركة، وأداء للواجب الكبير، في مواجهة الأحداث الجارية.
مع أطيب السلام
لم تعد لمؤتمرات القمّة العربية والإسلامية قيمة تستحق الذكر، ولم يعد يلتفت إلى ما تصنع أو لا تصنع وتقول أو لا تقول.. إلا بمقدار ما يسمح بلفت الأنظار عن قضايا كبرى مثل قضية فلسطين والعراق وأفغانستان والشاشان، إلى قضايا جانبية ومفتعلة، مثل الحملة السياسية والإعلامية على رئيس وزراء ماليزيا بعد قمة منظمة المؤتمر الإسلامي عام 2003م.
انحدار القمم نحو الحضيض
الأصل هو أنّ العلاقات العالمية، الثنائية والجماعية، وأنّ المنظمات الدولية، إقليمية وعالمية، تنتقل مرحلة بعد أخرى من بداية متواضعة، إلى النجاح التدريجي باتجاه الهدف الذي قامت من أجله.. أمّأ القمم العربية والإسلامية فقد فقدت قيمتها وهي تنحدر درجة بعد أخرى، من وجود تفاعلي مع الحدث، إلى وجود كلامي، إلى وجود انعدامي.
إذا أردنا "الصعود" فلنتأمّل كيف كان "الانحدار"!..
قبل سنوات.. كان كلّما انعقد لقاء على مستوى القمة، تكرّر الحديث عن أنّ العرب والمسلمين –وإن تفرّقت بهم السبل- يجتمعون عند تفاقم خطر داهم، لا سيما إذا ارتبط بقضية فلسطين.. وكأنّ المطلوب من لقاءات القمة أن تكون "حبوب تهدئة وحقن تخدير" نحتاج إليها عند الخطر فحسب.. ولا نقلّل من قيمة "استشعار" الخطر الخارجي، ولكن كان من أسباب الانحدار ذلك التمسّك الفكري والإعلامي والسياسي بهذا الروتين الخطير الضعيف إخراجا ومضمونا، العاجز عن التأثير جملة وتفصيلا، الحافل بمبررات واهية لعدم تحرّك المسؤولين عند اسـتفحال الخطر وعلى الدوام، ليغيّروا الواقع في بلدان هم يحكمونها، وهم يحملون المسؤولية عن ردم الهوّة المصنوعة بينها، بالوسائل العملية المعروفة بين دول الأرض.. كأن يضاعفوا حجم تجارتهم البينية، ويوجهوا مشروعاتهم الاستثمارية محليا، أو أن يمدّوا -على الأقل- خطوط المواصلات والاتصال عبر الحدود، ويسهّلوا تنقل الأشخاص والمعلومات والسلع.. فهذا جميعه شرطٌ يملكون هم توفيره في سائر الأوقات، كيلا يظهروا في مظهر العجز ساعة وقوع النوائب والكوارث..
قبل فترة وجيزة نسبيا أصبح الحديث عند انعقاد لقاء على مستوى القمة، يركّز على أنّ مجرّد انعقاده "إنجاز"، فلنشعر بالارتياح والامتنان، ولنتفاءل بتحسّن أوضاعنا.. وكأنّ المقصود هو العزاء لبقاء تلك القمم دون مستوى حدّ أدنى يثير فعلا الارتياح والاطمئنان والتفاؤل على المستوى الشعبي. ولا نقلّل من قيمة "مجرّد الالتقاء"، ولكن كان علينا وفق تلك الاقوال المنتشرة في المواقف السياسية والكتابات الإعلامية والفكرية، أن نبقى بمطامحنا عند هذه المستوى الهزيل تجاه الدول العربية والإسلامية، التي طالما تكرّر الحديث عن مساحتها وطاقتها البشرية ونسبتها العددية في المحافل الدولية، وعن إمكاناتها الذاتية، بدءا بالطاقة التي تشغّل مصانع الغرب.. وانتهاء بالأدمغة المهاجرة والمهجّرة إلى دول غربية!..
قمّة.. في عالم آخر!..
ألوف الشهداء الساحة الفلسطينية.. وعشرات الالوف من المصابين.. واجتياحات يومية.. وحصار.. ومعاناة.. واختراقات للأجواء اللبنانية.. وأخيرا غارة عسكرية على أراض سورية..
مقابل ذلك تشهد آخر قمم منظمة مؤتمر العالم الإسلامي ضغوطا من بعض دولها على بعضها الآخر، كيلا تكون "لهجة الخطاب" – ناهيك عن الأعمال والأفعال- عنيفة تجاه واشنطون، بل يتحدّث الخطباء "العقلاء" عن أمر مثل احتلال العراق، فيتجنّبون التصريح بذكر دولة الاحتلال باسمها الصريح.. بل على النقيض من ذلك، تحوّلت الأحاديث السابقة عن "اعتراف مؤقت" بمجلس حكم انتقالي "مؤقّت" في العراق، غلى تعامل اعتيادي، وكأنّ المجلس هو مجلي حكم حقيقي!..
هل هذه هي رسالة الدول السبع والخمسين الأعضاء في المنظمة، إلى العرب والمسلمين، الثكالى جميعا بسقوط من يسقط من شهداء فلسطين.. والعراق.. وأفغانستان.. والشاشان.. وكشمير.. وجنوب الفيليبين.. وأخواتها!..
ما قيمة أي بيان ختامي ما دام خاليا من أي قرارات أو إنذار باتخاذ قرارات إذا استمر التقتيل والتدمير، على كثرة ما في البيان من كلمات الإدانة والشجب والمناشدة والتأكيد وما شابه ذلك.. فمتى ترتفع "القمة" بأفعالها وليس بأقوالها، إلى مستوى "الشعوب"، إلى مستوى رجل الشارع.. وعلام يستطيع كل مسؤول أن يرقى داخل بلده إلى مستوى القرار في كل قضية أمنية قد تهدد سلطته، فلا يعجز عن التحرّك –بل بوحشية همجية أحيانا- ولكن لا يرقى إلى مستوى القرار في قضايا أمنية تهدد شعبه وأمته وأجيال المستقبل؟..
إنّ مجرّد حديث بعض من تحدّث أو كنب عن نتائج تلك القمّة بأسلوب التضخيم من شأنها، أو التهوين من شأن اكتفائهما بالكلام، يمثل سلوكا خطيرا رغم التبرير التقليدي بأمر بالغ الأهمية، وهو الحرص على تجنّب إثارة الفتنة، فالواقع أن الغليان بلغ مداه وكاد صبر الجماهير الواعية أن ينفذ.
الخطورة الأكبر تكمن في كثرة الامتناع عن اتخاذ قرارات حاسمة وخطوات عملية، مؤتمرا بعد مؤتمر وقمة بعد قمة ومأساة بعد مأساة.. فهذا سلوك يؤدّي إلى تراكم إحباط على إحباط، وغليان فوق غليان، وغضب بعد غضب، أفلا يُخشى أن تصبح التهدئة المطلوبة نفسها سببا في تراكم أخطار فتنة محذورة، قد يأتي انفجارها آنذاك وكأنّه حدث مفاجئ وقد يكون جارفا لا يمكن ضبطه.
ثم إنّ التهوين من شأن الامتناع عن اتخاذ قرارات حاسمة وخطوات عملية، لم يعد يوهم أحدا بأنّنا نواجه عجزا حقيقيا، فنحن نعاني من عجز مصطنع، تنتجه سياسات الكلام دون العمل، وردود الفعل بدلا من التخطيط، والتهدئة بدلا من الاستيعاب والتعبئة.. فلا جدوى من تعليل العجز الجديد بعجز سابق، وتعليل القعود عن التحرّك الآن بالقعود عن التحرك فيما مضى، فهذه الحلقة المفرغة أصبحت مكشوفة، ويجب كسرها بإقدام المسؤولين عنها أنفسهم على تحرّك فعلي بدلا من الكلام عن ضرورة التحرّك، ولقد كان يؤمل أن يقع التحرّك دون خوف ولا وجل، تحت تأثير ما نشهد من بطولات استشهادية وأطفال لا يخافون الموت.. وبالمقابل يُخشى أن تكون خيبة الأمل على المستوى الشعبي، أشدّ من أن يمكن ضبط نتائجها هذه المرة.
إنّ العجز ناجم عن أنّ جميع البلدان الإسلامية.. وجميعها ذات علاقة مباشرة بخلل موازين التسلّح على حسابها وحساب وجودها، تترك دولة من بينها مثل إيران تتعامل وحدها مع الحصار الغربي حولها لتمتنع عن بحوث سلام نووية.. وهي تنفي عن نفسها أي تفكير بصناعة أسلحة نووية، وكأنّ قيام دولة إسلامية بصناعتها "جريمة" وقيام دولة غير إسلامية بصناعتها "حقّ مشروع"!!..
والعجز ناجم عن أنّ جميع البلدان الإسلامية.. وجميعها تتعرّض لخطر مباشر أو غير مباشر من الثنائي الصهيوني-الأمريكي ومساعي هيمنته العالمية، تترك دولة من بينها مثل سورية، أمام غارة عدوانية، وجلّ "ما تنصح" به.. هو أن تنكمش سورية على نفسها أكثر، وتخضع للمطالب العدوانية أكثر، وتستجيب للرغبات الصهيونية-الأمريكية أكثر.. وعلى قدر ما تصنع ذلك تجد "التضامن العربي والإسلامي" يزداد، وإن لم تصنع، فإمّا أنّها لا تجده، أو يبقى في حدود الكلمات المخادعة للشعوب!..
العجز مصنوع صنعا.. لأن الحكومات القائمة في البلدان الإسلامية حكومات تعيش في عالم آخر، يمكن أن يكون عالم المكاسب المادية الذاتية لبعضها، وجنون العظمة لبعضها الآخر، والخوف على كراسي لا قيمة لها لفريق ثالث.. ولكن الحصيلة واحدة، فما تصنعه ليس "سياسة" وفق مفهوم هذه الكلمة، علميا.. منهجيا.. واقعيا.. أو بأي منظور معتبر لمفهوم السياسة!.
الأنكى من ذلك عدم تطابق الحجج الرسمية المعلنة للعجز المزعوم مع الأسباب الحقيقية للقعود، فكم تردّد أنّ الدول العربية غير قادرة على خوض الحرب، في قضية مصيرية كقضية فلسطين، هذا مع عدم وجود مطالبة جادّة بإعلان الحرب على الفور، ولكن تأتي هذه الحجة ردّا على مجرد المطالبة بمقاطعة استيراد آلات زراعية أوالامتناع عن فتح مكتب تجاري، أو ما شابه ذلك.. فهل بلغ العجز هذا المستوى حقيقة، وأي سلطة تستحق تسميتها سلطة، ولا تستطيع الإقدام على مثل تلك الخطوات؟.. هل نحن عاجزون فعلا.. أي لا نملك طاقات ولا إمكانات ذاتية ولا القدرة على التحرّك، أم فقدنا الإرادة السياسية الضرورية لاتخاذ القرار وتنفيذه، ولتحديد خطوات "وئيدة" تقوم مقام كلمات صاخبة وبيانات هادئة على السواء!..
تدافع المسؤولية
من أسوأ الأساليب المتبعة أن كلّ طرف يطالب الطرف الآخر بموقف حاسم أو خطوة عملية في ميدان معين، وبتجاهل أنه هو نفسه قادر على موقف حاسم آخر وخطوة عملية أخرى في ميدان آخر.. ولا يفعل.
كثيرا ما يأتي ذلك على لسان "أبواق التبرير" للسياسات الرسمية أو ما يسمّى سياسات عربية وإسلامية.. فترى فلانا من الإعلاميين أو "المفكّرين" في هذه الفضائية أو تلك، يندّد بقطر واتصالاتها بالساسة الصهيونيين، والمغرب واستقبالها لساسة إسرائيليين.. فإن قيل له وما يقول عن مصر أو الأردن، والعلاقات الديبلوماسية برعاية رسمية ومعارضة شعبية، وهو من هذا البلد أو ذاك.. سارع إلى التبرير، مثبّتا لنفسه دور المرآة العاكسة لما تصنع حكومة بلده!..
على النسق نفسه، تطالب دول لا تملك النفط باستخدام النفط وسيلة للضغط على واشنطون، ولا تطالب نفسها بتخفيف الاعتماد –الضارّ لا النافع- على المستشارين من واشنطون.. وقد تلجأ دول نفطية إلى تقديم المال بحدود، وتتجاهل أنّ الأهمّ هو وقف ضخ المال في المصارف والمشاريع الاستثمارية الغربية لا سيّما الأمريكية.. وقد يطالب بعض الدول بالقتال وهي لا تملك القدرة الكافية على القتال، وتمتنع سائر الدول عن المطالبة بما تستطيع جميعا الإقدام عليه، مثل تبديل جزئي على الأقل لاحتياطيات الدولار النقدية في خزائن مصارفها المركزية.. أو إعداد المشرّدين من أبناء فلسطين على الأقل والمتطوّعين العرب والمسلمين لخوض معركة مستقبلية محتّمة.
إنّ ما نشهده هو "تدافع المسؤولية" على المستوى الرسمي مباشرة، أو على ألسنة إعلامية تتبنى المستوى الرسمي دون تحفظ، حتى باتت القضية برمّتها ضحية مزايدات مرفوضة، وباتت المطالب نوعا من التحايل على غضب الشعوب.. إنّما أصبحت الشعوب واعية لا يمكن تضليلها، وإن بقيت صابرة، فلصبر الشعوب حدود.
ولا استرسال بعيدا عن الموضوع عندما نشير إلى الخشية من اهتراء بعض المبادرات العملية خارج المستوى الرسمي أيضا، إذا غلب أسلوب الكلام على العمل.. ومثال ذلك ما كان بعض الفضائيات العربية يقوم به من حملات "تضامن" مع الانتفاضة الفلسطينية، وما كان يتردّد علنا بشأن الدعوة إلى المقاطعة الشعبية.. ولكن سرعان ما تحوّلت تلك الفضائيات إلى إلغاء مثل تلك الحملات، لحساب المزيد ممّا تحشو به الوقت حشوا من أفلام عتيقة ومستوردة، ومن مهرجانات إباحية وسخيفة، ومن عروض أزياء تتزايد عرضا بعد عرض جرأةً على خدش روح الاحتشام الشعبية المتزايدة رغم تلك السياسات الموجّهة، خارجيا وداخليا، من جانب الأعداء الصريحين والمتواطئين المحلّيين!..
ولا استرسال بعيدا عن الموضوع أيضا عند الإشارة إلى الخشية أيضا من أن تهترئ أيضا تلك الدعوات الصادرة بصورة متتالية قبل فترة وجيزة، ومتباطئة متباعدة في الوقت الحاضر، عن مئات العلماء والدعاة والمفكرين والإعلاميين، وهم يدعون إلى خطوات عملية، منها المقاطعة الشعبية للسلع والخدمات الأمريكية..
إن ما نحتاج إليه هو اقتران العمل بالقول، والبيانات بالإجراءات، والدعوات بالمخططات، فإن كانت "القمم" في الحضيض، لا بدّ أن يعوّض عن ذلك ارتفاع العاملين شعبيا إلى موقع القمّة الحقيقية، شعورا بالمسؤولية المشتركة، وأداء للواجب الكبير، في مواجهة الأحداث الجارية.
مع أطيب السلام