طارق الفهد
17-Oct-2003, 10:06 PM
من المؤكد أن استمرار المظاهرات في المملكة العربية السعودية رغم الحظر الرسمي والعلني الذي لم ينطق به مسؤول سعودي منذ الخمسينات الميلادية أمرٌ يبعث على القلق لدى الطاقم السياسي السعودي ودوائر السياسة في الولايات المتحدة الأميركية بشكل خاص.
من سوء حظ المسؤولين أنهم ارتكبوا أخطاء فادحة تحتمل نتائج ايجابية وسلبية في آن واحد. فمن جهة لم يقدر المسؤولون السعوديون حجم الغضب الداخلي، ومقدار العاطفة التي تنتاب الشارع الذي أُسيء قراءته، وتصورت أجهزة الأمن أن مجرد قرار رسمي يكفي لمنع التعبير السياسي عن مشاعر الإحباط والغضب. لقد جرى التساهل بشكل كبير في احتمالية رد الشارع السعودي، فلا مبادرة الأمير عبد الله بن عبد العزيز، ولي العهد، التي تعرض اعترافاً وتطبيعاً مع اسرائيل لحظت هذا الأمر وأعطت له تقديرات صحيحة، كما لم تدرك الأجهزة المسؤولة حجم العبء النفسي الذي يتحمّله المواطن السعودي وهو يرى العالم من حوله يتغير وهو يعيش حالة استاتيكية على الصعيد السياسي وغيره. يضاف الى ذلك أن الخطاب الرسمي لم يتطور مطلقاً، فالتركيز والتبرير الجاهز كان دائماً غير مقنع للأجيال الشابة، مثل القول في مواجهة دعوات الإصلاح السياسي بأننا شعب نختلف عن غيرنا، أو كقول وزير الداخلية الأمير نايف بن عبد العزيز أن المظاهرات لا تتواءم مع أحوال الشعب السعودي الإجتماعية، وكأن هذا الشعب نزل من المريخ، ولا يتفاعل مع ما يجري حوله، في ظل تواجد أجهزة إعلام وتواصل كوني جعلت الأحداث تبدو وكأنها قاب قوسين أو أدنى من كل مواطن سعودي.
إن الخطاب السياسي المتخلف، وسوء القراءة للعواطف الجياشة والطموحات الشعبية السياسية وغيرها التي تريد أن ترى الإصلاح، والإتكاء غير المحدود على ما يمكن لأجهزة الأمن أن تفعله، لهو من الأخطاء القاتلة. لأنها أولاً تعتمد على دراسة غير صحيحة للشارع السعودي، ولأنها ثانياً تثبت أن المسؤولين بعيدين كل البعد عن آمال وتطلعات الشعب، وهو أمر له انعكاسات غير عادية، أولها أن هؤلاء المسؤولين لا يمثلون تطلعاتهم وآمالهم بالحرية والتعبير السياسي الرشيد.
لقد ابتعدت النخبة الحاكمة عن الشارع ونبضه وكان بإمكانها قراءة هذا النبض وبالتالي المبادرة قبل أن يتحرك الشارع فيضطر الى الإصطدام مع الحكومة وقواتها، وهو ما يؤدي الى تخلخل في شرعية الحكومة شعبياً. كان بإمكانها أن تدعو هي الى التظاهر، وكانت أنباء قد تسربت بهذا الشأن تنصح المسؤولين بركوب الموج بدل مواجهته، ولكن لسوء الحظ ـ حتى هذه اللحظة ـ لا يبدو أنهم يميلون الى احتواء الشارع بغير الوسائل الأمنية.
إن خروج المواطنين الى الشارع (كما هو في كل البلدان العربية) لا يعني احتجاجاً على إسرائيل وحدها، بل على أنظمة الحكم وتقصيرها تجاه القضية الفلسطينية، واحتجاجاً على سياساتها الخارجية والداخلية معاً. ففي ظل الوضع الإقتصادي المتردي في المملكة، من الحمق بمكان أن تغلق النوافذ السياسية ووسائل التعبير، أو تفتح بمقدار خرم إبرة، لأن معنى ذلك انفجار في الشارع لا تحمد عقباه.
لقد حاولت انظمة عربية كمصر والأردن وغيرهما الوقوف امام الشارع ومنع المتظاهرين بالقمع ايضاً، ولكنها في النهاية أفسحت الطريق للجمهور ليعبر عن نفسه قبل أن يكتسحها إن هي واجهته. الآن المسؤولون في المملكة مدعوون للتفكير مليّاً في الأمر، فهذه الإحتجاجات ستتصاعد على الأرجح مادام قد كسرت الطوق النفسي والقيد الأمني، وعليها أن تغيّر خطابها السياسي بما يلبي الحدود الدنيا لتطلعات الشعب.. والا فإن البديل، هو الإصطدام لا محالة مع المواطنين واستخدام القوة أكثر بالشكل الذي يهبط بشرعية النظام السياسي الى الحضيض. حتى لو استطاعت الحكومة قمع الشارع، فإن نتيجتها خسارة كبيرة لها أيضاً.
في سلطنة عمان وقطر والبحرين وغيرها، لم يكن المسؤولون ينقصهم الرشد لحجب التعبيرات الشعبية. نعم في بعض الأحيان جرى الإلتفاف عليها وضبطها، أما في المملكة، فقد اختارت الحكومة تصديق كذبتها (أن الشعب السعودي غير الآخرين) وعليها الآن ان تتدارك الموقف قبل فوات الأوان.
لو كان الشارع العربي والإسلامي صامتاً لأمكن محاصرة النيران المحلية، أما والجميع يتحرك ويخرج، فمن غير الحكمة الإستمرار بسياسة قمع الأصوات، لأن المواطن السعودي يشعر في داخله أنه فعلاً مختلف عن الآخرين من زاوية سلبية، وهي انه الشعب الوحيد في العالم الإسلامي الذي لا يستطيع أن يقول لا في قضية مقدّسة يجمع عليها المواطنون السعوديون. إن المواطن يشعر بالإهانة، وقد يقوم بجلد الذات أحياناً، بأنه جبان وخائر لأنه لم يفعل شيئاً، وإذا كان هذا التقدير صحيحاً، فإن احتمالات انفجاره قد تكون غير عادية.
قد تكون هذه المظاهرات التي بدأت تتوالى بداية لانتزاع الحق السياسي من المسؤولين: انتخابات ومراقبة ودستور صحيح ونظام قضائي جديد. وكما هي العادة لم تستبق الحكومة الشارع، ولا تماشت معه، وتصورت أيضاً ولاتزال بأن هذه الأمنية ستموت في أعماق مواطنيها. نعم: ستؤدي المظاهرات الى احتجاجات بالضرورة على الحكومة، هذا هو مضمونها الأصلي، حتى وإن لم ترفع الشعارات الواضحة، والحل يكمن في إجراء سياسة جديدة ومنهج مختلف عن الماضي، إذ لا يبدو في الأفق مع أفول الدولة الريعية أن الأزمات الإقتصادية والإجتماعية ستتراجع، ولا يبدو أن المواطنين سيقتنعون بأننا (شعب غير الآخرين) ولا يمكن إقناع أحد بعد الآن ان ممارسة السلطة حكر على نخبة النخبة.
نتمنى أن تكون هذه المظاهرات بوابة لمراجعة موضوع الإصلاح السياسي، أو لإنتزاعه انتزاعاً.
حمى الله الوطن وأهله
من سوء حظ المسؤولين أنهم ارتكبوا أخطاء فادحة تحتمل نتائج ايجابية وسلبية في آن واحد. فمن جهة لم يقدر المسؤولون السعوديون حجم الغضب الداخلي، ومقدار العاطفة التي تنتاب الشارع الذي أُسيء قراءته، وتصورت أجهزة الأمن أن مجرد قرار رسمي يكفي لمنع التعبير السياسي عن مشاعر الإحباط والغضب. لقد جرى التساهل بشكل كبير في احتمالية رد الشارع السعودي، فلا مبادرة الأمير عبد الله بن عبد العزيز، ولي العهد، التي تعرض اعترافاً وتطبيعاً مع اسرائيل لحظت هذا الأمر وأعطت له تقديرات صحيحة، كما لم تدرك الأجهزة المسؤولة حجم العبء النفسي الذي يتحمّله المواطن السعودي وهو يرى العالم من حوله يتغير وهو يعيش حالة استاتيكية على الصعيد السياسي وغيره. يضاف الى ذلك أن الخطاب الرسمي لم يتطور مطلقاً، فالتركيز والتبرير الجاهز كان دائماً غير مقنع للأجيال الشابة، مثل القول في مواجهة دعوات الإصلاح السياسي بأننا شعب نختلف عن غيرنا، أو كقول وزير الداخلية الأمير نايف بن عبد العزيز أن المظاهرات لا تتواءم مع أحوال الشعب السعودي الإجتماعية، وكأن هذا الشعب نزل من المريخ، ولا يتفاعل مع ما يجري حوله، في ظل تواجد أجهزة إعلام وتواصل كوني جعلت الأحداث تبدو وكأنها قاب قوسين أو أدنى من كل مواطن سعودي.
إن الخطاب السياسي المتخلف، وسوء القراءة للعواطف الجياشة والطموحات الشعبية السياسية وغيرها التي تريد أن ترى الإصلاح، والإتكاء غير المحدود على ما يمكن لأجهزة الأمن أن تفعله، لهو من الأخطاء القاتلة. لأنها أولاً تعتمد على دراسة غير صحيحة للشارع السعودي، ولأنها ثانياً تثبت أن المسؤولين بعيدين كل البعد عن آمال وتطلعات الشعب، وهو أمر له انعكاسات غير عادية، أولها أن هؤلاء المسؤولين لا يمثلون تطلعاتهم وآمالهم بالحرية والتعبير السياسي الرشيد.
لقد ابتعدت النخبة الحاكمة عن الشارع ونبضه وكان بإمكانها قراءة هذا النبض وبالتالي المبادرة قبل أن يتحرك الشارع فيضطر الى الإصطدام مع الحكومة وقواتها، وهو ما يؤدي الى تخلخل في شرعية الحكومة شعبياً. كان بإمكانها أن تدعو هي الى التظاهر، وكانت أنباء قد تسربت بهذا الشأن تنصح المسؤولين بركوب الموج بدل مواجهته، ولكن لسوء الحظ ـ حتى هذه اللحظة ـ لا يبدو أنهم يميلون الى احتواء الشارع بغير الوسائل الأمنية.
إن خروج المواطنين الى الشارع (كما هو في كل البلدان العربية) لا يعني احتجاجاً على إسرائيل وحدها، بل على أنظمة الحكم وتقصيرها تجاه القضية الفلسطينية، واحتجاجاً على سياساتها الخارجية والداخلية معاً. ففي ظل الوضع الإقتصادي المتردي في المملكة، من الحمق بمكان أن تغلق النوافذ السياسية ووسائل التعبير، أو تفتح بمقدار خرم إبرة، لأن معنى ذلك انفجار في الشارع لا تحمد عقباه.
لقد حاولت انظمة عربية كمصر والأردن وغيرهما الوقوف امام الشارع ومنع المتظاهرين بالقمع ايضاً، ولكنها في النهاية أفسحت الطريق للجمهور ليعبر عن نفسه قبل أن يكتسحها إن هي واجهته. الآن المسؤولون في المملكة مدعوون للتفكير مليّاً في الأمر، فهذه الإحتجاجات ستتصاعد على الأرجح مادام قد كسرت الطوق النفسي والقيد الأمني، وعليها أن تغيّر خطابها السياسي بما يلبي الحدود الدنيا لتطلعات الشعب.. والا فإن البديل، هو الإصطدام لا محالة مع المواطنين واستخدام القوة أكثر بالشكل الذي يهبط بشرعية النظام السياسي الى الحضيض. حتى لو استطاعت الحكومة قمع الشارع، فإن نتيجتها خسارة كبيرة لها أيضاً.
في سلطنة عمان وقطر والبحرين وغيرها، لم يكن المسؤولون ينقصهم الرشد لحجب التعبيرات الشعبية. نعم في بعض الأحيان جرى الإلتفاف عليها وضبطها، أما في المملكة، فقد اختارت الحكومة تصديق كذبتها (أن الشعب السعودي غير الآخرين) وعليها الآن ان تتدارك الموقف قبل فوات الأوان.
لو كان الشارع العربي والإسلامي صامتاً لأمكن محاصرة النيران المحلية، أما والجميع يتحرك ويخرج، فمن غير الحكمة الإستمرار بسياسة قمع الأصوات، لأن المواطن السعودي يشعر في داخله أنه فعلاً مختلف عن الآخرين من زاوية سلبية، وهي انه الشعب الوحيد في العالم الإسلامي الذي لا يستطيع أن يقول لا في قضية مقدّسة يجمع عليها المواطنون السعوديون. إن المواطن يشعر بالإهانة، وقد يقوم بجلد الذات أحياناً، بأنه جبان وخائر لأنه لم يفعل شيئاً، وإذا كان هذا التقدير صحيحاً، فإن احتمالات انفجاره قد تكون غير عادية.
قد تكون هذه المظاهرات التي بدأت تتوالى بداية لانتزاع الحق السياسي من المسؤولين: انتخابات ومراقبة ودستور صحيح ونظام قضائي جديد. وكما هي العادة لم تستبق الحكومة الشارع، ولا تماشت معه، وتصورت أيضاً ولاتزال بأن هذه الأمنية ستموت في أعماق مواطنيها. نعم: ستؤدي المظاهرات الى احتجاجات بالضرورة على الحكومة، هذا هو مضمونها الأصلي، حتى وإن لم ترفع الشعارات الواضحة، والحل يكمن في إجراء سياسة جديدة ومنهج مختلف عن الماضي، إذ لا يبدو في الأفق مع أفول الدولة الريعية أن الأزمات الإقتصادية والإجتماعية ستتراجع، ولا يبدو أن المواطنين سيقتنعون بأننا (شعب غير الآخرين) ولا يمكن إقناع أحد بعد الآن ان ممارسة السلطة حكر على نخبة النخبة.
نتمنى أن تكون هذه المظاهرات بوابة لمراجعة موضوع الإصلاح السياسي، أو لإنتزاعه انتزاعاً.
حمى الله الوطن وأهله