لاتكروتني
17-Oct-2003, 05:51 PM
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]
عادة ما تُقاس إنجازات التنمية لمجتمع من المجتمعات, في عهد من العهود, بمدى التطور في مظاهر ومتغيرات العصرنة, سواء كانت مادية أو معنوية, السائدة في عصر من العصور. الإنجاز الأكبر, في هذا الصدد, يُقاس بقدرة النظام السياسي والاجتماعي, في مجتمع من المجتمعات, على تحقيق معدلات مطردة للتنمية, دون المساومة على مبادئ وأسس نظام القيم السائد, الذي يشكل المرجعية الأساسية لشرعية النظام السياسي. هذا هو التحدي الأساسي الذي واجهته برامج التنمية المختلفة, وعكست سلوك وتوجهات نظامنا السياسي, في العقدين الماضيين, في استيعاب مدخلات البيئتين الداخلية والخارجية, بمرونة في الحركة.. وتصميم على التمسك بالثوابت.
كيف يكون النظام السياسي مرناً في حركته في مواجهة تحديات التنمية, بجوانبها المادية والمعنوية ومتمسكاً, في نفس الوقت, بثوابت نظام القيم الذي يحدد شرعيته السياسية: هذه هي المعادلة التي يتوقف عندها مصير مشروع العصرنة, بكل جوانبه السلوكية والقِيَمية, ومن ثم تحديد مكانة الكيان السياسي (الدولة), داخلياً, وفي مجال حركة سياستها الخارجية, خدمة لمصالحها العليا وأمنها, خارجياً. كثيرٌ من المجتمعات فشلت, أو على الأقل واجهت صعوبة مُكْلِفًة على حساب مواردها وأمنها, في محاولة التوفيق بين شقي تلك المعادلة العويصة للتنمية.
بالنسبة للمملكة العربية السعودية لم تكن العملية سهلة, بقدر ما كانت عملية التعامل مع شقي تلك المعادلة لها أبعاد اجتماعية وثقافية, وحتى دينية, تجعل تكلفة برامج التحديث والعصرنة في المجتمع السعودي غير محتملة, لولا توفر الإرادة السياسية عند ولاة الأمر لخوض غمار معركة التنمية, بجميع أشكالها, مع إصرار على النصر فيها. وكان أن خَبِر المجتمع السعودي, في فترة العقدين الماضيين, من عهد خادم الحرمين يحفظه الله, قفزات متتالية ومتأنية وواثقة في طريق التنمية, جعلت عوائد التنمية, بالنسبة للإنسان السعودي, أكثر تحملاً وأجزل عطاءً, دونما مساومة على استقرار المجتمع وأمنه, أو النيل من موارد نظام القيم السائد.
التحدي الأساسي لم يكن في محاولة نظامنا السياسي التلاقي مع توقعات المواطنين من مظاهر التنمية المادية, عن طريق إشباع حاجات المواطن المعاشية اليومية في شكل خدمات أساسية, صحة وتعليم ومواصلات واتصالات وإسكان وطاقة ومياه نقية تجري في المنازل. لقد تكفلت مواردنا الطبيعية بتحقيق ذلك في فترة وجيزة, لتعكس قدرة تشغيلية وإدارية لنظامنا السياسي, في استغلال موارد الدولة لتحقيق تلك الحاجات, بتكلفة يحتملها دخل المواطن العادي, بسبب إعانة الدولة. التحدي الأساسي, في برامج التنمية هو معنوي: له علاقة بنظام القيم السائد في المجتمع واقتراب النظام السياسي من الحركة المؤسساتية لسلطاته, مما ينعكس إيجابياً على الموقف من حقوق المواطن وحرياته.
في العقدين الأخيرين تحقق الكثير في هذا المجال الصعب من التنمية.. وإن كان يبقى الكثير لابد من إنجازه, عن طريق البناء على ما تحقق وعدم النكوص عن المضي في طريق التنمية السياسية في البلاد. في هذه الفترة من عهد خادم الحرمين الشريفين, يحفظه الله, حدث تطور مؤسساتي في نظامنا السياسي, جعل السلطة في الدولة تقترب من مفهوم المسئولية السياسية, لا مجرد ممارسة السلطة, كغاية في حد ذاتها. لقد أصبح لدينا نظام أساسي للحكم يحدد سلطات النظام السياسي, بصورة مؤسساتية, توضح بجلاء حدود صلاحيات ومدى سلطات كل سلطة رسمية, في إطار تعاوني وثيق, خدمة لأهداف قيام هذا الكيان العظيم. ثم إن مؤسسات الدولة المختلفة, أصبح يحكم كل منها نظام, يحقق الغاية من حركة السلطة التي في حوزتها, لتستطيع القيام بمهامها في ظل مواد النظام الأساسي للحكم, توخياً لأداء مهامها ومسئولياتها, في إطار آلية إدارية وسياسية تتحرك من خلالها مؤسسات النظام السياسي, توخياً لزيادة كفاءتها وفعاليتها.
الاهتمام لم يكن مقتصراً على تحسين أداء مؤسسات النظام السياسي الرسمية, بل أيضاً تناول في الفترة الأخيرة خطوات إصلاحية متقدمة, تتعلق بنظام القيم الذي يتعلق بحقوق وحريات المواطن, في ظل الشريعة الإسلامية.
النظام الأساسي أشار إلى هذا الجانب المعنوي للتنمية السياسية في المجتمع, إلا أن تفعيل ما جاء في النظام الأساسي, بهذا الخصوص, تطور مؤخراً في شكل خطوات جريئة وغير مسبوقة, من قبل النظام السياسي, لجعل حركة المواطن في المجتمع أكثر مرونة, مع توفير مجال أكثر رحابة ليمارس المواطن فيه غايات وأهداف التنمية السياسية في الحوار, بل وحتى المشاركة السياسية.
لم يعد هناك ما يمنع المواطن من الاشتراك في حوار بناء وهادف, باستخدام وسائل الاتصال المتاحة, في النقاش حول القضايا المثارة اجتماعياً وسياسياً, على الساحة السعودية. بل ان الدولة أقدمت على تبني هذا النشاط السياسي بالإعلان عن قيام مركز الحوار الوطني ليستوعب حركة الحوار المتنامية في المجتمع, دون تحفظ أو توجس. ليس هذا, فحسب, بل ان نظامنا السياسي أضحى أكثر تقبلاً للمشاركة, بل واستضافة فعاليات إقليمية ودولية, لمناقشة قضايا ذات علاقة بحقوق الإنسان وحرياته, بدون تحفظات أو حساسيات.
التطور الأخير, الذي حدث منذ أيام, بتأصيل مبدأ أو حق الانتخاب, إضافة أساسية لنظام القيم السائد يعزز من شرعية النظام, ويساهم في فاعلية مؤسساته في أداء وظائفها وتلاقي حركتها مع توقعات المواطنين من عوائد التنمية المادية والمعنوية.
الإنسان السعودي, بعد الآن, لم يعد موضوعاً للسلطة, بل مشاركاً فيها وأصلاً من أصولها. وهذا هو المعنى الحقيقي والنهائي من وراء ترسيخ مفهوم المشاركة الشعبية.
.. عن صحيفة عكاظ
عادة ما تُقاس إنجازات التنمية لمجتمع من المجتمعات, في عهد من العهود, بمدى التطور في مظاهر ومتغيرات العصرنة, سواء كانت مادية أو معنوية, السائدة في عصر من العصور. الإنجاز الأكبر, في هذا الصدد, يُقاس بقدرة النظام السياسي والاجتماعي, في مجتمع من المجتمعات, على تحقيق معدلات مطردة للتنمية, دون المساومة على مبادئ وأسس نظام القيم السائد, الذي يشكل المرجعية الأساسية لشرعية النظام السياسي. هذا هو التحدي الأساسي الذي واجهته برامج التنمية المختلفة, وعكست سلوك وتوجهات نظامنا السياسي, في العقدين الماضيين, في استيعاب مدخلات البيئتين الداخلية والخارجية, بمرونة في الحركة.. وتصميم على التمسك بالثوابت.
كيف يكون النظام السياسي مرناً في حركته في مواجهة تحديات التنمية, بجوانبها المادية والمعنوية ومتمسكاً, في نفس الوقت, بثوابت نظام القيم الذي يحدد شرعيته السياسية: هذه هي المعادلة التي يتوقف عندها مصير مشروع العصرنة, بكل جوانبه السلوكية والقِيَمية, ومن ثم تحديد مكانة الكيان السياسي (الدولة), داخلياً, وفي مجال حركة سياستها الخارجية, خدمة لمصالحها العليا وأمنها, خارجياً. كثيرٌ من المجتمعات فشلت, أو على الأقل واجهت صعوبة مُكْلِفًة على حساب مواردها وأمنها, في محاولة التوفيق بين شقي تلك المعادلة العويصة للتنمية.
بالنسبة للمملكة العربية السعودية لم تكن العملية سهلة, بقدر ما كانت عملية التعامل مع شقي تلك المعادلة لها أبعاد اجتماعية وثقافية, وحتى دينية, تجعل تكلفة برامج التحديث والعصرنة في المجتمع السعودي غير محتملة, لولا توفر الإرادة السياسية عند ولاة الأمر لخوض غمار معركة التنمية, بجميع أشكالها, مع إصرار على النصر فيها. وكان أن خَبِر المجتمع السعودي, في فترة العقدين الماضيين, من عهد خادم الحرمين يحفظه الله, قفزات متتالية ومتأنية وواثقة في طريق التنمية, جعلت عوائد التنمية, بالنسبة للإنسان السعودي, أكثر تحملاً وأجزل عطاءً, دونما مساومة على استقرار المجتمع وأمنه, أو النيل من موارد نظام القيم السائد.
التحدي الأساسي لم يكن في محاولة نظامنا السياسي التلاقي مع توقعات المواطنين من مظاهر التنمية المادية, عن طريق إشباع حاجات المواطن المعاشية اليومية في شكل خدمات أساسية, صحة وتعليم ومواصلات واتصالات وإسكان وطاقة ومياه نقية تجري في المنازل. لقد تكفلت مواردنا الطبيعية بتحقيق ذلك في فترة وجيزة, لتعكس قدرة تشغيلية وإدارية لنظامنا السياسي, في استغلال موارد الدولة لتحقيق تلك الحاجات, بتكلفة يحتملها دخل المواطن العادي, بسبب إعانة الدولة. التحدي الأساسي, في برامج التنمية هو معنوي: له علاقة بنظام القيم السائد في المجتمع واقتراب النظام السياسي من الحركة المؤسساتية لسلطاته, مما ينعكس إيجابياً على الموقف من حقوق المواطن وحرياته.
في العقدين الأخيرين تحقق الكثير في هذا المجال الصعب من التنمية.. وإن كان يبقى الكثير لابد من إنجازه, عن طريق البناء على ما تحقق وعدم النكوص عن المضي في طريق التنمية السياسية في البلاد. في هذه الفترة من عهد خادم الحرمين الشريفين, يحفظه الله, حدث تطور مؤسساتي في نظامنا السياسي, جعل السلطة في الدولة تقترب من مفهوم المسئولية السياسية, لا مجرد ممارسة السلطة, كغاية في حد ذاتها. لقد أصبح لدينا نظام أساسي للحكم يحدد سلطات النظام السياسي, بصورة مؤسساتية, توضح بجلاء حدود صلاحيات ومدى سلطات كل سلطة رسمية, في إطار تعاوني وثيق, خدمة لأهداف قيام هذا الكيان العظيم. ثم إن مؤسسات الدولة المختلفة, أصبح يحكم كل منها نظام, يحقق الغاية من حركة السلطة التي في حوزتها, لتستطيع القيام بمهامها في ظل مواد النظام الأساسي للحكم, توخياً لأداء مهامها ومسئولياتها, في إطار آلية إدارية وسياسية تتحرك من خلالها مؤسسات النظام السياسي, توخياً لزيادة كفاءتها وفعاليتها.
الاهتمام لم يكن مقتصراً على تحسين أداء مؤسسات النظام السياسي الرسمية, بل أيضاً تناول في الفترة الأخيرة خطوات إصلاحية متقدمة, تتعلق بنظام القيم الذي يتعلق بحقوق وحريات المواطن, في ظل الشريعة الإسلامية.
النظام الأساسي أشار إلى هذا الجانب المعنوي للتنمية السياسية في المجتمع, إلا أن تفعيل ما جاء في النظام الأساسي, بهذا الخصوص, تطور مؤخراً في شكل خطوات جريئة وغير مسبوقة, من قبل النظام السياسي, لجعل حركة المواطن في المجتمع أكثر مرونة, مع توفير مجال أكثر رحابة ليمارس المواطن فيه غايات وأهداف التنمية السياسية في الحوار, بل وحتى المشاركة السياسية.
لم يعد هناك ما يمنع المواطن من الاشتراك في حوار بناء وهادف, باستخدام وسائل الاتصال المتاحة, في النقاش حول القضايا المثارة اجتماعياً وسياسياً, على الساحة السعودية. بل ان الدولة أقدمت على تبني هذا النشاط السياسي بالإعلان عن قيام مركز الحوار الوطني ليستوعب حركة الحوار المتنامية في المجتمع, دون تحفظ أو توجس. ليس هذا, فحسب, بل ان نظامنا السياسي أضحى أكثر تقبلاً للمشاركة, بل واستضافة فعاليات إقليمية ودولية, لمناقشة قضايا ذات علاقة بحقوق الإنسان وحرياته, بدون تحفظات أو حساسيات.
التطور الأخير, الذي حدث منذ أيام, بتأصيل مبدأ أو حق الانتخاب, إضافة أساسية لنظام القيم السائد يعزز من شرعية النظام, ويساهم في فاعلية مؤسساته في أداء وظائفها وتلاقي حركتها مع توقعات المواطنين من عوائد التنمية المادية والمعنوية.
الإنسان السعودي, بعد الآن, لم يعد موضوعاً للسلطة, بل مشاركاً فيها وأصلاً من أصولها. وهذا هو المعنى الحقيقي والنهائي من وراء ترسيخ مفهوم المشاركة الشعبية.
.. عن صحيفة عكاظ