سعودي
10-Sep-2003, 01:06 PM
الحمد لله الواحد الاحد الفرد الصمد واصلى على البشير النذر واله وصحبه ومن تبعهم باحسان الى يوم الدين .
سؤال شيخ الاسلام رحمه الله تعالى عن سبب تسلك الكفار على المسليم فقال رحمه الله تعالى :
لما ظهر النفاق والبدع والفجور المخالف لدين الرسول سلطت عليهم الأعداء، فخرجت الروم النصارى إلى الشام والجزيرة مرة بعد مرة، وأخذوا الثغور الشامية شيئاً بعد شيء، إلى أن أخذوا بيت المقدس في أواخر المائة الرابعة، وبعد هذا بمدة حاصروا دمشق، وكان أهل الشام بأسوأ حال بين الكفار النصارى والمنافقين الملاحدة؛ إلى أن تولى نور الدين الشهيد، وقام بما قام به من أمر الإسلام وإظهاره والجهاد لأعدائه، ثم استنجد به ملوك مصر بنو عبيد على النصارى فأنجدهم، وجرت فصول كثيرة إلى أن أخذت مصر من بني عبيد أخذها صلاح الدين يوسف بن سادي، وخطب بها لبني العباس؛ فمن حينئذ ظهر الإسلام بمصر بعد أن مكثت بأيدي المنافقين المرتدين عن دين الإسلام مائة سنة.
فكان الإيمان بالرسول والجهاد عن دينه سبباً لخير الدنيا والآخرة وبالعكس البدع والإلحاد ومخالفة ما جاء به سبب لشر الدنيا والآخرة.
فلما ظهر في الشام ومصر والجزيرة الإلحاد والبدع سلط عليهم الكفار، ولما أقاموا ما أقاموه من الإسلام وقهر الملحدين والمبتدعين نصرهم الله على الكفار؛ تحقيقاً لقوله:
( يايها الذين امنوا هل ادلكم على تجارة تنجيكم من عذاب اليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله باموالكم وانفسكم ذالكم خير لكم ان كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الا نهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذالك الفوز العظيم واخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين ) .
وكذلك لما كان أهل المشرق قائمين بالإسلام كانوا منصورين على الكفار المشركين من الترك والهند والصين وغيرهم، فلما ظهر منهم ما ظهر من البدع والإلحاد والفجور سلط عليهم الكفار، قال تعالى( وقضينا الى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدون في الارض مرتين ولتعلن علو كبيرا فاذا جاء وعد اولاهما بعثنا عليكم عباداً لنا اولي باس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولاً ثم رددنا لكم الكرة عليهم وامددناكم باموال وبنين وجعلناكم اكثر نفيراً ان احسنتم احسنتم لانفسكم وان اساتم فلها فاذا جاء وعد الاخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه اول مرة وليتبروا ما علو تتبيرا عسى بكم ان يرحمكم وان عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيراً )
وكان بعض المشايخ يقول: هولاكو ـ ملك الترك التتار الذي قهر الخليفة بالعراق، وقتل ببغداد مقتلة عظيمة جداً، يقال: قتل منهم ألف ألف، وكذلك قتل بحلب دار الملك حينئذ، كان بعض الشيوخ يقول هو ـ للمسلمين بمنزلة بخت نصر لبني إسرائيل.
وكان من أسباب دخول هؤلاء ديار المسلمين ظهور الإلحاد والنفاق والبدع، حتى إنه صنف الرازي كتاباً في عبادة الكواكب والأصنام وعمل السحر، سماه (السر المكتوم في السحر ومخاطبة النجوم) ويقال: إنه صنفه لأم السلطان علاء الدين محمد بن لكش بن جلال الدين خوارزم شاه، وكان من أعظم ملوك الأرض، وكان للرازي به اتصال قوي، حتى إنه وصى إليه على أولاده، وصنف له كتاباً سماه (الرسالة العلائية في الاختيارات السماوية).
وهذه الاختيارات لأهل الضلال بدل الاستخارة التي علّمها النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين، كما قال جابر في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول( إذا هَمَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين، من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر ويسميه باسمه خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي ويسره ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به).
وأهل النجوم لهم اختيارات إذا أراد أحدهم أن يفعل فعلاً أخذ طالعاً سعيداً، فعمل فيه ذلك العمل لينجح بزعمهم، وقد صنف الناس كتباً في الرد عليهم، وذكروا كثرة ما يقع من خلاف مقصودهم فيما يخبرون به ويأمرون به، وكم يخبرون من خبر فيكون كذباً، وكم يأمرون باختيار فيكون شراً، والرازي صنف الاختيارات لهذا الملك، وذكر فيه الاختيار لشرب الخمر وغير ذلك، كما ذكر في (السر المكتوم) في عبادة الكواكب ودعوتها مع السجود لها، والشرك بها ودعائها، مثل ما يدعو الموحدون ربهم؛ بل أعظم، والتقرب إليها بما يظن أنه مناسب لها من الكفر والفسوق والعصيان، فذكر أنه يتقرب إلى الزهرة بفعل الواحش وشرب الخمر والغناء، ونحو ذلك مما حرمه الله ورسوله .
وهذا في نفس الأمر يقرب إلى الشياطين، الذين يأمرونهم بذلك ويقولون لهم: إن الكوكب نفسه يحب ذلك، وإلا فالكواكب مسخرات بأمر الله مطيعة للّه، لا تأمر بشرك ولا غيره من المعاصي، ولكن الشياطين هي التي تأمر بذلك، ويسمونها روحانية الكواكب، وقد يجعلونها ملائكة وإنما هي شياطين، فلما ظهر بأرض المشرق بسبب مثل هذا الملك ونحوه، ومثل هذا العالم ونحوه ما ظهر من الإلحاد والبدع سلط الله عليهم الترك المشركين الكفار، فأبادوا هذا الملك، وجرت له أمور فيها عبرة لمن يعتبر، ويعلم تحقيق ما أخبر الله به في كتابه، حيث يقول( سنريهم اياتنا في الافاق وفي انفسهم حتى يتبين لهم انه الحق اولم يكفي بربك انه على كل شيء شهيد ) أي أن القرآن حق، وقال( خلق الانسان من عجل ساوريكم اياتي فلا تستعجلون ).
والمقصود هنا: أن دولة بني أمية كان انقراضها بسبب هذا الجعد المعطل وغيره من الأسباب، التي أوجبت إدبارها، وفي آخر دولتهم ظهر الجهم بن صفوان بخراسان، وقد قيل: إن أصله من ترمذ وأظهر قول المعطلة النفاة الجهمية. وقد قتل في بعض الحروب. وكان أئمة المسلمين بالمشرق أعلم بحقيقة قوله من علماء الحجاز والشام والعراق، ولهذا يوجد لعبد الله بن المبارك وغيره من علماء المسلمين بالمشرق من الكلام في الجهمية أكثر مما يوجد لغيرهم، مع أن عامة أئمة المسلمين تكلموا فيهم، ولكن لم يكونوا ظاهرين إلا بالمشرق، لكن قوي أمرهم لما مات الرشيد وتولى ابنه الملقب بالمأمون بالمشرق، وتلقى عن هؤلاء ما تلقاه.
ثم لما ولي الخلافة اجتمع بكثير من هؤلاء، ودعا إلى قولهم في آخر عمره، وكتب إلى بغداد وهو بالثغر بطرسوس التي ببلد سيس ـ وكانت إذ ذاك من أعظم ثغور بغداد، ومن أعظم ثغور المسلمين يقصدها أهل الدين من كل ناحية ويرابطون بها، رابط بها الإمام أحمد رضي الله عنه، والسري السقطي، وغيرهما، وتولى قضاءها أبو عبيد، وتولى قضاءها أيضاً صالح بن أحمد بن حنبل، ولهذا ذكرت في كتب الفقه كثيراً فإنها كانت ثغراً عظيماً، فكتب من الثغر ـ إلى نائبه ببغداد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب كتاباً يدعو الناس فيه إلى أن يقولوا: القرآن مخلوق، فلم يجبه أحد، ثم كتب كتاباً ثانياً يأمر فيه بتقييد من لم يجبه وإرساله إليه فأجاب أكثرهم، ثم قيدوا سبعة لم يجيبوا فأجاب منهم خمسة بعد القيد، وبقي اثنان لم يجيبا: الإمام أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح؛ فأرسلوهما إليه فمات قبل أن يصلا إليه، ثم أوصى إلى أخيه أبي إسحاق، وكان هذا سنة ثماني عشرة ومائتين، وبقي أحمد في الحبسإلى سنة عشرين فجرى ما جرى من المناظرة حتى قطعهم بالحجة، ثم لما خافوا الفتنة ضربوه وأطلقوه، وظهر مذهب النفاة الجهمية، وامتحنوا الناس فصار من أجابهم أعطوه وإلا منعوه العطاء وعزلوه من الولايات، ولم يقبلوا شهادته، وكانوا إذا افتكوا الأسرى يمتحنون الأسير، فإن أجابهم افتدوه وإلا لم يفتدوه.
وكتب قاضيهم أحمد بن أبي دؤاد على ستارة الكعبة ( ليس كمثله شيء وهو العزيز الحكيم ) ، لم يكتب وهو ( فاطر السماوات والارض جعل لكم من انفسكم ازواجاً ومن الانعام ازواجاً يذراكم فيه ليس كمثله شي وهو السميع البصير ).
ثم ولي الواثق واشتد الأمر إلى أن ولي المتوكل فرفع المحنة وظهرت حينئذ السنة، وبسط هذا له موضع آخر.
والمقصود أن أئمة المسلمين لما عرفوا حقيقة قول الجهمية بينوه، حتى قال عبد الله بن المبارك: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية، وكان ينشد:
فعجبت لشيطان دعا الناس جهرة
إلى النار واشتق اسمه من جهنم
وقيل له: بماذا يعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، قيل له: بحد؟ قال: بحد. وكذلك قال أحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم بن راهويه، وعثمان بن سعيد الدارمي، وغيرهم من أئمة السنة.
وحقيقة قول الجهمية المعطلة هو قول فرعون، وهو جحد الخالق وتعطيل كلامه ودينه، كما كان فرعون يفعل، فكان يجحد الخالق جل جلاله، ويقول( وقال فرعون يايها الملا ما علمت لكم من اله غيري فاوقد لي ياهامان على الطين فاجعل لي صرحاً لعلي اطلع الى اله موسى واني لاظنه من الكاذبين) ويقول لموسى( قال لئن اتخذت اله غيري لاجعلنك من المسجونين ) ويقول( فقال انا ربكم ) وكان ينكر أن يكون الله كلّم موسى أو يكون لموسى إله فوق السماوات، ويريد أن يبطل عبادة الله وطاعته، ويكون هو المعبود المطاع.
فلما كان قول الجهمية المعطلة النفاة يؤول إلى قول فرعون كان منتهى قولهم إنكار رب العالمين، وإنكار عبادته وإنكار كلامه حتى ظهروا بدعوى التحقيق والتوحيد والعرفان، فصاروا يقولون: العالم هو الله، والوجود واحد، والموجود القديم الأزلي الخالق هو الموجود المحدث المخلوق، والرب هو العبد، ما ثم رب وعبد وخالق ومخلوق؛ بل هو عندهم فرقان.
ولهذا صاروا يعيبون على الأنبياء وينقصونهم؛ ويعيبون على نوح وعلى إبراهيم الخليل وغيرهما، ويمدحون فرعون ويجوزون عبادة جميع المخلوقات، وجميع الأصنام، ولا يرضون بأن تعبد الأصنام حتى يقولوا: إن عباد الأصنام لم يعبدوا إلا الله، وإن الله نفسه هو العابد وهو المعبود، وهو الوجود كله، فجحدوا الرب وأبطلوا دينه، وأمره ونهيه، وما أرسل به رسله، وتكليمه لموسى وغيره.
وقد ضلّ في هذا جماعة لهم معرفة بالكلام والفلسفة والتصوف المناسب لذلك، كابن سبعين والصدر القونوي تلميذ ابن عربي، والبلياني والتلمساني، وهو من حذّاقهم علماً ومعرفة، وكان يظهر المذهب بالفعل، فيشرب الخمر ويأتي المحرمات.
يتبع ......
سؤال شيخ الاسلام رحمه الله تعالى عن سبب تسلك الكفار على المسليم فقال رحمه الله تعالى :
لما ظهر النفاق والبدع والفجور المخالف لدين الرسول سلطت عليهم الأعداء، فخرجت الروم النصارى إلى الشام والجزيرة مرة بعد مرة، وأخذوا الثغور الشامية شيئاً بعد شيء، إلى أن أخذوا بيت المقدس في أواخر المائة الرابعة، وبعد هذا بمدة حاصروا دمشق، وكان أهل الشام بأسوأ حال بين الكفار النصارى والمنافقين الملاحدة؛ إلى أن تولى نور الدين الشهيد، وقام بما قام به من أمر الإسلام وإظهاره والجهاد لأعدائه، ثم استنجد به ملوك مصر بنو عبيد على النصارى فأنجدهم، وجرت فصول كثيرة إلى أن أخذت مصر من بني عبيد أخذها صلاح الدين يوسف بن سادي، وخطب بها لبني العباس؛ فمن حينئذ ظهر الإسلام بمصر بعد أن مكثت بأيدي المنافقين المرتدين عن دين الإسلام مائة سنة.
فكان الإيمان بالرسول والجهاد عن دينه سبباً لخير الدنيا والآخرة وبالعكس البدع والإلحاد ومخالفة ما جاء به سبب لشر الدنيا والآخرة.
فلما ظهر في الشام ومصر والجزيرة الإلحاد والبدع سلط عليهم الكفار، ولما أقاموا ما أقاموه من الإسلام وقهر الملحدين والمبتدعين نصرهم الله على الكفار؛ تحقيقاً لقوله:
( يايها الذين امنوا هل ادلكم على تجارة تنجيكم من عذاب اليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله باموالكم وانفسكم ذالكم خير لكم ان كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الا نهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذالك الفوز العظيم واخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين ) .
وكذلك لما كان أهل المشرق قائمين بالإسلام كانوا منصورين على الكفار المشركين من الترك والهند والصين وغيرهم، فلما ظهر منهم ما ظهر من البدع والإلحاد والفجور سلط عليهم الكفار، قال تعالى( وقضينا الى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدون في الارض مرتين ولتعلن علو كبيرا فاذا جاء وعد اولاهما بعثنا عليكم عباداً لنا اولي باس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولاً ثم رددنا لكم الكرة عليهم وامددناكم باموال وبنين وجعلناكم اكثر نفيراً ان احسنتم احسنتم لانفسكم وان اساتم فلها فاذا جاء وعد الاخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه اول مرة وليتبروا ما علو تتبيرا عسى بكم ان يرحمكم وان عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيراً )
وكان بعض المشايخ يقول: هولاكو ـ ملك الترك التتار الذي قهر الخليفة بالعراق، وقتل ببغداد مقتلة عظيمة جداً، يقال: قتل منهم ألف ألف، وكذلك قتل بحلب دار الملك حينئذ، كان بعض الشيوخ يقول هو ـ للمسلمين بمنزلة بخت نصر لبني إسرائيل.
وكان من أسباب دخول هؤلاء ديار المسلمين ظهور الإلحاد والنفاق والبدع، حتى إنه صنف الرازي كتاباً في عبادة الكواكب والأصنام وعمل السحر، سماه (السر المكتوم في السحر ومخاطبة النجوم) ويقال: إنه صنفه لأم السلطان علاء الدين محمد بن لكش بن جلال الدين خوارزم شاه، وكان من أعظم ملوك الأرض، وكان للرازي به اتصال قوي، حتى إنه وصى إليه على أولاده، وصنف له كتاباً سماه (الرسالة العلائية في الاختيارات السماوية).
وهذه الاختيارات لأهل الضلال بدل الاستخارة التي علّمها النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين، كما قال جابر في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول( إذا هَمَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين، من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر ويسميه باسمه خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي ويسره ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به).
وأهل النجوم لهم اختيارات إذا أراد أحدهم أن يفعل فعلاً أخذ طالعاً سعيداً، فعمل فيه ذلك العمل لينجح بزعمهم، وقد صنف الناس كتباً في الرد عليهم، وذكروا كثرة ما يقع من خلاف مقصودهم فيما يخبرون به ويأمرون به، وكم يخبرون من خبر فيكون كذباً، وكم يأمرون باختيار فيكون شراً، والرازي صنف الاختيارات لهذا الملك، وذكر فيه الاختيار لشرب الخمر وغير ذلك، كما ذكر في (السر المكتوم) في عبادة الكواكب ودعوتها مع السجود لها، والشرك بها ودعائها، مثل ما يدعو الموحدون ربهم؛ بل أعظم، والتقرب إليها بما يظن أنه مناسب لها من الكفر والفسوق والعصيان، فذكر أنه يتقرب إلى الزهرة بفعل الواحش وشرب الخمر والغناء، ونحو ذلك مما حرمه الله ورسوله .
وهذا في نفس الأمر يقرب إلى الشياطين، الذين يأمرونهم بذلك ويقولون لهم: إن الكوكب نفسه يحب ذلك، وإلا فالكواكب مسخرات بأمر الله مطيعة للّه، لا تأمر بشرك ولا غيره من المعاصي، ولكن الشياطين هي التي تأمر بذلك، ويسمونها روحانية الكواكب، وقد يجعلونها ملائكة وإنما هي شياطين، فلما ظهر بأرض المشرق بسبب مثل هذا الملك ونحوه، ومثل هذا العالم ونحوه ما ظهر من الإلحاد والبدع سلط الله عليهم الترك المشركين الكفار، فأبادوا هذا الملك، وجرت له أمور فيها عبرة لمن يعتبر، ويعلم تحقيق ما أخبر الله به في كتابه، حيث يقول( سنريهم اياتنا في الافاق وفي انفسهم حتى يتبين لهم انه الحق اولم يكفي بربك انه على كل شيء شهيد ) أي أن القرآن حق، وقال( خلق الانسان من عجل ساوريكم اياتي فلا تستعجلون ).
والمقصود هنا: أن دولة بني أمية كان انقراضها بسبب هذا الجعد المعطل وغيره من الأسباب، التي أوجبت إدبارها، وفي آخر دولتهم ظهر الجهم بن صفوان بخراسان، وقد قيل: إن أصله من ترمذ وأظهر قول المعطلة النفاة الجهمية. وقد قتل في بعض الحروب. وكان أئمة المسلمين بالمشرق أعلم بحقيقة قوله من علماء الحجاز والشام والعراق، ولهذا يوجد لعبد الله بن المبارك وغيره من علماء المسلمين بالمشرق من الكلام في الجهمية أكثر مما يوجد لغيرهم، مع أن عامة أئمة المسلمين تكلموا فيهم، ولكن لم يكونوا ظاهرين إلا بالمشرق، لكن قوي أمرهم لما مات الرشيد وتولى ابنه الملقب بالمأمون بالمشرق، وتلقى عن هؤلاء ما تلقاه.
ثم لما ولي الخلافة اجتمع بكثير من هؤلاء، ودعا إلى قولهم في آخر عمره، وكتب إلى بغداد وهو بالثغر بطرسوس التي ببلد سيس ـ وكانت إذ ذاك من أعظم ثغور بغداد، ومن أعظم ثغور المسلمين يقصدها أهل الدين من كل ناحية ويرابطون بها، رابط بها الإمام أحمد رضي الله عنه، والسري السقطي، وغيرهما، وتولى قضاءها أبو عبيد، وتولى قضاءها أيضاً صالح بن أحمد بن حنبل، ولهذا ذكرت في كتب الفقه كثيراً فإنها كانت ثغراً عظيماً، فكتب من الثغر ـ إلى نائبه ببغداد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب كتاباً يدعو الناس فيه إلى أن يقولوا: القرآن مخلوق، فلم يجبه أحد، ثم كتب كتاباً ثانياً يأمر فيه بتقييد من لم يجبه وإرساله إليه فأجاب أكثرهم، ثم قيدوا سبعة لم يجيبوا فأجاب منهم خمسة بعد القيد، وبقي اثنان لم يجيبا: الإمام أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح؛ فأرسلوهما إليه فمات قبل أن يصلا إليه، ثم أوصى إلى أخيه أبي إسحاق، وكان هذا سنة ثماني عشرة ومائتين، وبقي أحمد في الحبسإلى سنة عشرين فجرى ما جرى من المناظرة حتى قطعهم بالحجة، ثم لما خافوا الفتنة ضربوه وأطلقوه، وظهر مذهب النفاة الجهمية، وامتحنوا الناس فصار من أجابهم أعطوه وإلا منعوه العطاء وعزلوه من الولايات، ولم يقبلوا شهادته، وكانوا إذا افتكوا الأسرى يمتحنون الأسير، فإن أجابهم افتدوه وإلا لم يفتدوه.
وكتب قاضيهم أحمد بن أبي دؤاد على ستارة الكعبة ( ليس كمثله شيء وهو العزيز الحكيم ) ، لم يكتب وهو ( فاطر السماوات والارض جعل لكم من انفسكم ازواجاً ومن الانعام ازواجاً يذراكم فيه ليس كمثله شي وهو السميع البصير ).
ثم ولي الواثق واشتد الأمر إلى أن ولي المتوكل فرفع المحنة وظهرت حينئذ السنة، وبسط هذا له موضع آخر.
والمقصود أن أئمة المسلمين لما عرفوا حقيقة قول الجهمية بينوه، حتى قال عبد الله بن المبارك: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية، وكان ينشد:
فعجبت لشيطان دعا الناس جهرة
إلى النار واشتق اسمه من جهنم
وقيل له: بماذا يعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، قيل له: بحد؟ قال: بحد. وكذلك قال أحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم بن راهويه، وعثمان بن سعيد الدارمي، وغيرهم من أئمة السنة.
وحقيقة قول الجهمية المعطلة هو قول فرعون، وهو جحد الخالق وتعطيل كلامه ودينه، كما كان فرعون يفعل، فكان يجحد الخالق جل جلاله، ويقول( وقال فرعون يايها الملا ما علمت لكم من اله غيري فاوقد لي ياهامان على الطين فاجعل لي صرحاً لعلي اطلع الى اله موسى واني لاظنه من الكاذبين) ويقول لموسى( قال لئن اتخذت اله غيري لاجعلنك من المسجونين ) ويقول( فقال انا ربكم ) وكان ينكر أن يكون الله كلّم موسى أو يكون لموسى إله فوق السماوات، ويريد أن يبطل عبادة الله وطاعته، ويكون هو المعبود المطاع.
فلما كان قول الجهمية المعطلة النفاة يؤول إلى قول فرعون كان منتهى قولهم إنكار رب العالمين، وإنكار عبادته وإنكار كلامه حتى ظهروا بدعوى التحقيق والتوحيد والعرفان، فصاروا يقولون: العالم هو الله، والوجود واحد، والموجود القديم الأزلي الخالق هو الموجود المحدث المخلوق، والرب هو العبد، ما ثم رب وعبد وخالق ومخلوق؛ بل هو عندهم فرقان.
ولهذا صاروا يعيبون على الأنبياء وينقصونهم؛ ويعيبون على نوح وعلى إبراهيم الخليل وغيرهما، ويمدحون فرعون ويجوزون عبادة جميع المخلوقات، وجميع الأصنام، ولا يرضون بأن تعبد الأصنام حتى يقولوا: إن عباد الأصنام لم يعبدوا إلا الله، وإن الله نفسه هو العابد وهو المعبود، وهو الوجود كله، فجحدوا الرب وأبطلوا دينه، وأمره ونهيه، وما أرسل به رسله، وتكليمه لموسى وغيره.
وقد ضلّ في هذا جماعة لهم معرفة بالكلام والفلسفة والتصوف المناسب لذلك، كابن سبعين والصدر القونوي تلميذ ابن عربي، والبلياني والتلمساني، وهو من حذّاقهم علماً ومعرفة، وكان يظهر المذهب بالفعل، فيشرب الخمر ويأتي المحرمات.
يتبع ......