كرسي دوار
13-Dec-2003, 03:46 PM
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الروابط]
تحيط بالمراهق مشكلات تخصه، و ربما لا يحسن التعامل معها في مرحلته العمرية الانتقالية ذات الخصائص المتغيرة، ليلجأ لمن يعتقد أنه قادر على مساعدته في حلها، سواء أكان طرفاً في أسرته و أقاربه أو من خارجهما. ولحظتها قد يتعرض للاستغلال و الابتزاز ليجد نفسه قد تعززت مشكلته أو وقع في مشكلة إضافية.
فما هي أبرز خصائص هذه المرحلة العمرية؟ وما متغيراتها؟ و ما دور المؤسسات الاجتماعية: المدرسة والمنزل والإعلام والمجتمع في تأهيل المراهق في معالجة أموره واتخاذ قراراته الخاصة؟ و كيف يحل مشكلاته الخاصة التي قد تحيط به؟
حاولت "الوطن" أن تجيب عن تساؤلات هذه القضية فاستضافت شبابا ومختصين ومهتمين بالشأن الشبابي.
مرحلة انتقالية
أوضح عضو هيئة التدريس بقسم علم النفس في جامعة الملك سعود في الرياض الدكتور نزار الصالح "أن اهتمامنا بمرحلة المراهقة ناتج من كون المراهق يعيش مرحلة انتقالية من الطفولة إلى الرجولة، بالنسبة للذكور، ومن الطفولة للأنوثة، بالنسبة للإناث، وهذا التحول بطبيعة الحال يصحبه تغيرات جسمية، وعقلية، وانفعالية، وكذلك اجتماعية. تلك التغيرات تلقي بظلالها على المراهق، مما يجعلها تؤثر عليه سلباً أو إيجاباً".
ويضيف الصالح "ومن تلك التغيرات التي ربما تؤثر على المراهق، التغيرات الجسمية، والتي هي زيادة النمو في جميع أنحاء بدنه مما يساعده على ممارسة دوره الجديد، إذا كان المراهق راضياً عما يحدث له من تغيرات. لكن إذا لم يكن المراهق متوافقا مع تلك التغيرات البدنية، فإن عدم رضاه عن طبيعة شعره، أو لون بشرته، أو مستوى طوله، أو قصره، كل ذلك ربما انعكس سلبا على توافقه وتقبله لذاته".
ويركز الصالح على التغيرات المصاحبة لنمو المراهق العقلي، والتي تجعل المراهق أكثر قدرة على تفهم ما يدور حوله من أمور، نتيجة لزيادة وعيه وعمق إدراكه الذي يتميز كثيرا مقارنة مع فترة طفولته، مما يعطيه وضعا أفضل من حيث إدراكه لذاته وحسن تعامله مع أدواره الجديدة. ويستدرك إلا أن أي تقصير في إدراك المراهق لطبيعته الجديدة وحسن استغلاله لقدراته العقلية لاشك سوف يوقعه بسلوكيات تنعكس سلبا على أدائه في الوسط الذي يعيش فيه.
أما فيما يتعلق بالنمو الاجتماعي والانفعالي للمراهق، فإن جهل المحيطين به بطبيعة الحاجات الاجتماعية والانفعالية له يجعلهم يهملون هذا الجانب، مما ينعكس سلبا على المراهق، فيقع في مآزق كثيرة نتيجة قلة خبرته وسوء تدريبه لممارسة أدواره الجديدة على النحو المطلوب. ومن تلك الممارسات الخاطئة قلة الاعتماد اجتماعيا على المراهق خوفا من عدم أدائه دوره بشكل جيد، مما يجعل المراهق ضعيف القدرة على تحمل مسؤولياته الجديدة، ويؤخر نموه الاجتماعي. كما أن الإسراف في الاعتماد على المراهق لأداء أدوار اجتماعية أكثر من قدرته على تحملها، سوف تكون له انعكاساته السلبية عليه، مما قد يوقعه في احباطات كثيرة نتيجة قلة خبرته، مما يجعله ضحية صراع طاحن نتيجة حاجته للتدرج في النمو، مقابل الإسراع بتحميله مسؤوليات كثيرة قد تعوق استمتاعه بأدواره الجديدة.
المراهقون يعترفون
ويعترف شباب في سن المراهقة، بأنهم قد يمثلون أعباء على أولياء أمورهم. وأن هذه الأعباء تتمثل في رغبتهم الطبيعية في "الانفكاك" من نمط تفكير معين يريد الكبار أن يضعوننا فيه. ويقول الشاب محمد الشهري، "إنهم يريدون لنا "القولبة"، وعدم الخروج عن الإطارات التي يعتقدون في صحتها، وينظرون إلى كل ما نقوم به أو نفكر فيه، على أنه شيء غير طبيعي، وأننا لا نستطيع أن نفكر لأنفسنا". "هم محقون، ونحن كذلك محقون، وليس هناك من يستطيع أن يقول إنهم غير مهتمين بنا، ولكن يجب أن يفسحوا لنا مجالاً نستطيع فيه أن نمارس ما نعتقد أنه صحيح، ونتعلم بالتجربة". ويتوقف البشري قليلاً، ثم يواصل قائلاً "عليهم أن يمدونا بالنصح من خلال ما مروا به من تجارب لا يمكن إنكارها، ولكن يجب أن يكون هناك هامش للنقاش، ومجال للتجربة، وأن نتعلم من الخطأ، فالتعليم من الخطأ، أكثر نفعاً من التلقين الإيجابي".
فهد الأسمري، مراهق في السابعة عشرة من عمره، يدعم ما ذهب إليه البشري، ويضيف إليه " إن التضييق المستمر، وتسفيه آرائنا بصفة دائمة، واعتبار كل ما نفكر فيه ضحلاً، يدفعنا دائماً إلى تجنب البوح بما في نفوسنا، لآبائنا، خوفاً من التقريع والتأنيب". ويواصل "هذا ما يجعلنا نلجأ إلى آخرين ليسوا قريبين منا بشكل ملائم، ولكنهم على أي حال يستمعون إلينا باهتمام، ويشاركوننا النقاش فيما نثيره معهم من مشكلات لنا، أو آراء تداعب رؤوسنا، ونخرج بحلول من هذه النقاشات، نعتقد بصحتها، ولكن يثبت فيما بعد أنها غير صحيحة، وأنها توقع الضرر بنا".
الشاب عبدالله الشهراني، 17 عاماً، يؤكد "أن مشكلات المراهقين تكون حساسة في كثير من الأحيان، وآباؤنا لا يستطيعون استيعاب الحديث في مثل هذه الأمور، بل نحن كذلك جبلتنا تربيتنا على ألا نبوح بمثل هذه الهواجس أو الأفكار لمن هم يتولون أمور حياتنا، كالآباء والأمهات، والأخوات، وأن نتعامل فيها فيما بيننا وبين أنفسنا كمراهقين، لأن حتى الآباء تربوا على ذلك، ويجب أن يفتح المجال أمامنا، ولو في المدارس، لمناقشة هموم المراهقة من قبل معلمين متخصصين، نستطيع الإفادة منهم، ونستطيع أن نتناقش معهم بحرية، ودون خشية، فهذا هو أول الطريق لتجنب الأخطاء الكبيرة، وتلمس السبل الصحيحة في ممارسة حياتنا".
حذار من الانتهازيين
من جهته يقول المستشار في علاج مشكلات المراهقين في دولة الكويت خالد حسن مال الله "تكثر حاجة المراهق إلى أشخاص قريبين منه ومتابعته أولا بأول، وإشعاره بأنه من ضمن المجتمع، و أنه لا ينفصل عنه، و بالتالي مساعدته في تجاوز هذه المرحلة من خلال فتح آفاق الحوار معه و السماع لأفكاره ووجهات نظرة ومساعدته في معالجة مشكلاته المختلفة.
ويرى مال الله أن من أهم الأمور التي يحتاجها المراهق في هذه الفترة هي تعليمه وتوجيهه في كيفية تعامله مع مشكلاته المختلفة ومن ثم معالجتها، لأن الكثير من المراهقين لا يجيدون ذلك وبالتالي قد يكون فريسة سهلة للاستغلاليين، وبالتالي تتفاقم المشكلة أو قد تتسبب بإيجاد مشكلة أخرى جديدة. و"قد مر علينا الكثير من هذه الأمور حيث يكون المراهق لديه مشكلة معينة، ومن ثم يلجأ دون أدنى خبرة إلى بعض الانتهازيين، وحينها يقوم أولئك بابتزاز هذا المراهق بحجة الاهتمام بحل مشكلته مما يوقعه في مشكلة أكبر منها.
ابتزاز عاطفي
ويروي مال الله قصته مع مراهق تعرض لنوع خاص من الابتزاز فيقول "اتصلت إحدى الأمهات تشكو من قيام ابنها بسرقة خاتمي ألماس تخصان خالته قيمة أحدهما 700 دينار كويتي، والآخر 1000 دينار كويتي وقيامه بسرقة مبلغ و قدره 400 دينار كويتي من رصيد البنك "الدينار الكويتي يعادل حوالي 13 ريالاً سعودياً". وعندما جلسنا مع الابن اعترف بالسرقة، وأنه قام بها من أجل فتاة تعرف عليها في أحد الأسواق. وشرح لنا كيف كان يشتكي لها من مشكلاته العاطفية وهي كانت تعوضه بالكلام المكذوب وتبتزه من جانب آخر، فقام بالسرقة لإرضائها. ومن أسباب هذه المشكلة ومما ساعد على تفاقمها انفصال الوالدين، وأنه الوحيد لدى والدته، ووالدته مشغولة عنه، فبالتالي هو يعاني من فراق عاطفي ونقص في الحنان من كافة الأطراف وخاصة في هذه المرحلة. ووجد من يستمع له ويغدق عليه كلمات الحنان والحب والعطف وغيرها... فسقط ضحية الابتزاز العاطفي، ولو أننا عالجنا مشكلته من البداية، وملأنا فراغه العاطفي بالحب الحقيقي العائلي، لما سقط ضحية لهذا النصب والابتزاز".
ويستخلص مال الله من ذلك أنه على المربين وأولياء الأمور أن يهتموا بتربية وتعليم أبنائهم كيفية التعامل مع مشكلاتهم الشخصية، ومن ثم مساعدتهم على معالجتها.
احترام شخصية المراهق
ويشدد المرشد الطلابي بثانوية العارض في الرياض فهد الشلهوب على احترام شخصية المراهق، ويقول "إذا أردنا أن نؤهل المراهق لكي يتخذ القرارات السليمة والصحيحة لحل مشكلاته أو الصعوبات التي يواجهها، لا بد أن نحترم هذه الشخصية من خلال إشراكه في الرأي والحوار واتخاذ القرارات، وتحميله المسؤوليات بالتدرج كي يثق بنفسه وقدراته وأن نساعده على أن يكون عنصرا إيجابيا و فعّالا في مجتمعه. وذلك من خلال تقبله واحترامه وتفهم مشكلاته، وعبر هذه الوسائل المحببة نحدث التغيير المطلوب في سلوك هذه المرحلة العمرية". وحمل الشلهوب المدرسة جزءاً من المسؤولية، بقوله "كما تستطيع المدرسة أن تؤهل المراهق كي يتخذ القرارات المناسبة والصحيحة. وعلى سبيل المثال يستحسن تكليف الطالب المراهق بمسؤوليات محدودة، وتحت إشراف الراشدين من معلميه داخل المدرسة، مثل عريف الفصل، أو رئاسة جماعة النشاط، أو قيادة الفرقة الكشفية، أو مهمة المخرج في المسرح المدرسي، بالإضافة إلى كثير من الأدوار القيادية في جماعات النشاط المختلفة". ويضرب الشلهوب مثلا بما تم هذا العام الدراسي، في المدرسة التي يعمل بها، فيقول "كونا في مدرستنا مجلساً شورياً طلابياً داخل المدرسة، من أجل تنمية روح المشاركة والجماعية من خلال تدارس الصعوبات التي يواجهها الطلاب، ووضع حلول مناسبة، وإشراكهم في الخطط والبرامج، ليكونوا متفاعلين مع مدرستهم، مما يزيد من معدلات الإنتاجية، وخلق جيل واع يتسم بالتعاون والمحبة والإيجابية وأن يكون كل طالب عضوا فعالا داخل مدرسته ومجتمعه".
ويشدد الشلهوب على أن المرشد لطلابي الناجح هو الذي يفعّل البرامج الإرشادية والإنمائية والإنتاجية مع الجهات ذات العلاقة، وبالتنسيق مع الإدارة المدرسية والمعلمين.
حسن التعامل.. كنز
و يعود الصالح ليشدد على حاجة المراهق لحسن التعامل، من حيث الإنصات الجيد لما قد يعانيه من خلال تعاملاته المختلفة، وحسن العشرة مع من حوله لمساعدته على تقبل ذاته، والصبر على قلة خبرته وسلوكياته الخاطئة، والوقوف بجانبه لكي يجتاز هذه المرحلة الانتقالية، وهو أكثر اعتمادا على نفسه، وأكثر شعورا بالرضا بقدرته على أداء واجباته.
ويبين الصالح أن المراهق بحاجة ماسة إلى الانتماء والشعور بالرضا لوضعه الاجتماعي والنفسي، مما ينعكس بشكل إيجابي على نموه الانفعالي. وأن أي خلل يصيب المراهق من حيث انتماؤه، أو تاريخه، أو البيئة التي يعيش فيها، سوف يؤدي إلى أن يكون غير فخور بذلك، مما يجعله يبحث عمن يمده بالفخر والانتعاش، ولو من أناس من خارج بيئته، وربما يمدونه بأمور لا توافق مبادئه أو تاريخه، أو البيئة التي يعيش فيها، أو أعرافه الاجتماعية، فيقبل على ما يقدم له بسبب شعوره بالفراغ الذي يعيشه في مجتمعه، وذلك رغبة في الانتماء.
ويختم الصالح حديثه قائلاً "إن البيت والمدرسة والمجتمع بكل أركانه، مطالبة بأن تكون معينا وصديقا للمراهق، لبلورة حسن الانتماء، وإيجابية الاتجاهات. وذلك لا يكون بالتمني والرجاء فقط، وإنما لابد من صدق العمل والإخلاص في التوجه، من حيث حسن التربية، وسلامة المعتقد، وإيجابية التعامل، لكي نكسب أبناءنا المراهقين، ونجعلهم بذرة صالحة، مؤمنة بدينها، مخلصة لوطنها، تعيش بكرامة تاريخها المشرف، تطلعة لغد مشرق مليء بالحب، والتفاؤل، والتضحية، وحب الغير.
خطوات للمعالجة
ويحدد مال الله وفق تجربته الميدانية الكيفية التي يجب على المربين والمهتمين بقضايا المراهقين الأخذ بها من أجل معالجة ناجحة، وذلك عبر الخطوات التالية: أولا تحديد المشكلة، وهل هي مشكلة رئيسية "كترك الصلاة أو عقوق الوالدين أو تعاطي المخدرات"، أم هي مشكلة ثانوية "كشراء سيارة جديدة أو اقتناء ساعة أخرى أو خلاف شخصي"، حيث إن هناك الكثير من المشكلات لدى المراهق وتشغل تفكيره وقد تكون مشكلات ليست ذات أهمية، وينسى ما هي أهم كمن يفكر في كيفية الحصول على هاتف نقال جديد أو ساعة يد ثمينة، ويغفل عن معالجة الكذب أو سوء الأدب لديه. وثانياً، التفكير بالمشكلة من كل جوانبها وتعميق التفكير في ذلك وأخذ الوقت الكافي في النظر بكل جوانبها، وعدم التسرع في طرح العلاج وبخاصة أمام القضايا الشائكة والمستجدة. ثالثاً، تصنيف المشكلة التي يعاني منها المراهق، ويتم ذلك وفق جدول التصنيفات المختلفة "نفسية، عقلية، أخلاقية، صحية، تربوية". وذلك لتسهيل علاجها. فهل المشكلة التي يعاني منها المراهق هي مشكلة نفسية داخلية، أم هي انحراف سلوكي أخلاقي، أم هي مشكلة قيمية، أم هي مشكلة صحية؟ لأن الكثيرين من المراهقين لا يعرفون ما هي مشكلتهم بالضبط، وقد يستخدم أحدهم خلالها أسلوبا علاجيا غير مناسب لها، كأن يعاني المراهق من تدني المستوى الدراسي فيشخص العلاج على أنه لا يذاكر، ويتم التركيز عليه في ذلك الجانب، ويكون السبب الرئيس هو عدم وجود المهارات الأساسية في توصيل المعلومة لدى المدرس مثلاً، أو أن يعاني المراهق من عدم تقبل الآخرين له، فتشخص المشكلة بأن الآخرين سيئون ويحاولون الإساءة له ولكن المشكلة الرئيسة تكمن في أن المراهق ينقصه أدب التعامل مع الآخرين.
رابعاً، تحليل المشكلة، من حيث "بدايتها، مسبباتها، مكملاتها..."، وذلك من خلال معرفة جذورها الأولية، ومتى بدأت والأسباب التي هيأت الظروف لها، وكافة الجوانب الأخرى التي ساعدت على تفاقم المشكلة، مما أدى إلى اتساعها وتضخمها.
خامساً، تفكيك المشكلة، بتجزئتها إلى أجزاء ثم البداية بحل كل جزء على حدة، وفق الحل المناسب لها، وبالتالي تتم معالجتها بهدوء وتشذيبها من متعلقاتها المختلفة، والتي كانت سببا في انتشار وتفاقم هذه المشكلة لدى المراهق.
وأخيراً، معالجة المشكلة، بوضع جدول زمني لعلاجها، حيث إن بعض المشكلات حلها سريع، وبعضها يحتاج إلى فترة من الزمن كأسبوع أو شهر، وبعضها يكون تراكميا بمعنى أنها تحتاج إلى تفكيك ومن ثم معالجتها وفق برنامج علاجي مكثف، قد يمتد إلى أشهر عدة أو ربما عام كامل.
توجيهات للمراهقين
ويوجه مال الله حديثه إلى الشباب فينصحهم حين الوقوع في أي مشكلة بالبعد عن الآخرين مؤقتا، لتسهل عليهم مراجعة المشكلة والتفكير فيها من كل جوانبها، وللمحافظة على ردود الأفعال السلبية تجاه الآخرين وللتحكم في المشاعر، ثم الجلوس في مكان هادئ للتركيز على المشكلة وعدم التشويش، وإتاحة الفرصة أمام أنفسهم لمعالجة المشكلة.
ونصح مال الله بشرب كوب ماء بارد، في مثل هذه الأحوال لأن ذلك من شأنه أن يفيد في التهدئة النفسية الداخلية لدى المراهق، وذلك مصداقا لتوجيه النبي، صلى الله عليه وسلم، للغاضب، إذا كان واقفا أن يجلس أو كان جالسا أن ينام، أو يطفئ الغضب بالوضوء، فإنه من الشيطان. ويمضي مال الله فينصح الشاب بعدها بأخذ نفس عميق مع الاسترخاء لتخفيف الضغط النفسي الداخلي، ولتخفيف ارتفاع ضغط الدم في الجسم وتخفيض تسارع دقات القلب بفعل التوتر الذهني والغضب والفوران الداخلي الذي يمر به. وعلى المراهق بعدها أن يحاول تفريغ ما بداخله لتخفيف الكبت الداخلي عن طريق "قراءة القرآن، الدعاء، البكاء، النوم، ، الأكل، ممارسة الرياضة، الصراخ، الاستحمام، الكتابة". فإن أياً من هذه الأشياء كفيل بالتخفيف من الضغط الداخلي والكبت المتراكم على المراهق، فلا بأس من القيام بأي منها، ولا يعد ذلك مثلمة في حقه، أو نقصانا في شخصيته.
ويحذر مال الله كل شاب من إفشاء أسراره للآخرين، حتى لا يكون أسيرا لهم أو فريسة سهلة للابتزاز من قبل أولئك. ويستثني من ذلك الوالدين والمربي والاستشاري، ومن يوثق به، والحذر من الغرباء وزميل الدراسة وأبناء الأقارب والجيران وبعض المدرسين، وأحيانا الأخ الأكبر. وقد مر بنا الكثير من المشكلات التي مر بها المراهقون وبعضها جسيم نتيجة وقوعهم فريسة للابتزاز من قبل الآخرين وأشدها هو ابتزاز الأقارب كأبناء العمومة أو الخؤولة، وقد تكون آراؤهم سببا في اتساع هذه المشكلة أو تكون حلولهم غير مناسبة وغير مجدية، كما قد يجد الشاب بروداً وعدم اهتمام من قبلهم مما يضاعف الهم والمشكلة لديه.
وأخيرا يشدد مال الله على الشباب بعدم التعجل في إيجاد الحلول بل على كل شاب أن يضع أمامه حلولا كثيرة كبدائل. و من ثم يرتبها ثم يفاضل بينها ويختار أنسب الحلول لمعالجة مشكلته. وقد مرت بنا حالات كان أول قرار اتخذ هو الانتحار، ولو رجعنا إلى سبب المشكلة لوجدنا الأمر تافها ولا يستدعي كل هذه الضجة، فليس الانتحار حلا ولا الهروب من الواقع حلا ولا تعاطي المخدرات حلا، وإنما الهدوء وحسن التفكير وضبط النفس هو السبيل الأمثل للعلاج.
تحيط بالمراهق مشكلات تخصه، و ربما لا يحسن التعامل معها في مرحلته العمرية الانتقالية ذات الخصائص المتغيرة، ليلجأ لمن يعتقد أنه قادر على مساعدته في حلها، سواء أكان طرفاً في أسرته و أقاربه أو من خارجهما. ولحظتها قد يتعرض للاستغلال و الابتزاز ليجد نفسه قد تعززت مشكلته أو وقع في مشكلة إضافية.
فما هي أبرز خصائص هذه المرحلة العمرية؟ وما متغيراتها؟ و ما دور المؤسسات الاجتماعية: المدرسة والمنزل والإعلام والمجتمع في تأهيل المراهق في معالجة أموره واتخاذ قراراته الخاصة؟ و كيف يحل مشكلاته الخاصة التي قد تحيط به؟
حاولت "الوطن" أن تجيب عن تساؤلات هذه القضية فاستضافت شبابا ومختصين ومهتمين بالشأن الشبابي.
مرحلة انتقالية
أوضح عضو هيئة التدريس بقسم علم النفس في جامعة الملك سعود في الرياض الدكتور نزار الصالح "أن اهتمامنا بمرحلة المراهقة ناتج من كون المراهق يعيش مرحلة انتقالية من الطفولة إلى الرجولة، بالنسبة للذكور، ومن الطفولة للأنوثة، بالنسبة للإناث، وهذا التحول بطبيعة الحال يصحبه تغيرات جسمية، وعقلية، وانفعالية، وكذلك اجتماعية. تلك التغيرات تلقي بظلالها على المراهق، مما يجعلها تؤثر عليه سلباً أو إيجاباً".
ويضيف الصالح "ومن تلك التغيرات التي ربما تؤثر على المراهق، التغيرات الجسمية، والتي هي زيادة النمو في جميع أنحاء بدنه مما يساعده على ممارسة دوره الجديد، إذا كان المراهق راضياً عما يحدث له من تغيرات. لكن إذا لم يكن المراهق متوافقا مع تلك التغيرات البدنية، فإن عدم رضاه عن طبيعة شعره، أو لون بشرته، أو مستوى طوله، أو قصره، كل ذلك ربما انعكس سلبا على توافقه وتقبله لذاته".
ويركز الصالح على التغيرات المصاحبة لنمو المراهق العقلي، والتي تجعل المراهق أكثر قدرة على تفهم ما يدور حوله من أمور، نتيجة لزيادة وعيه وعمق إدراكه الذي يتميز كثيرا مقارنة مع فترة طفولته، مما يعطيه وضعا أفضل من حيث إدراكه لذاته وحسن تعامله مع أدواره الجديدة. ويستدرك إلا أن أي تقصير في إدراك المراهق لطبيعته الجديدة وحسن استغلاله لقدراته العقلية لاشك سوف يوقعه بسلوكيات تنعكس سلبا على أدائه في الوسط الذي يعيش فيه.
أما فيما يتعلق بالنمو الاجتماعي والانفعالي للمراهق، فإن جهل المحيطين به بطبيعة الحاجات الاجتماعية والانفعالية له يجعلهم يهملون هذا الجانب، مما ينعكس سلبا على المراهق، فيقع في مآزق كثيرة نتيجة قلة خبرته وسوء تدريبه لممارسة أدواره الجديدة على النحو المطلوب. ومن تلك الممارسات الخاطئة قلة الاعتماد اجتماعيا على المراهق خوفا من عدم أدائه دوره بشكل جيد، مما يجعل المراهق ضعيف القدرة على تحمل مسؤولياته الجديدة، ويؤخر نموه الاجتماعي. كما أن الإسراف في الاعتماد على المراهق لأداء أدوار اجتماعية أكثر من قدرته على تحملها، سوف تكون له انعكاساته السلبية عليه، مما قد يوقعه في احباطات كثيرة نتيجة قلة خبرته، مما يجعله ضحية صراع طاحن نتيجة حاجته للتدرج في النمو، مقابل الإسراع بتحميله مسؤوليات كثيرة قد تعوق استمتاعه بأدواره الجديدة.
المراهقون يعترفون
ويعترف شباب في سن المراهقة، بأنهم قد يمثلون أعباء على أولياء أمورهم. وأن هذه الأعباء تتمثل في رغبتهم الطبيعية في "الانفكاك" من نمط تفكير معين يريد الكبار أن يضعوننا فيه. ويقول الشاب محمد الشهري، "إنهم يريدون لنا "القولبة"، وعدم الخروج عن الإطارات التي يعتقدون في صحتها، وينظرون إلى كل ما نقوم به أو نفكر فيه، على أنه شيء غير طبيعي، وأننا لا نستطيع أن نفكر لأنفسنا". "هم محقون، ونحن كذلك محقون، وليس هناك من يستطيع أن يقول إنهم غير مهتمين بنا، ولكن يجب أن يفسحوا لنا مجالاً نستطيع فيه أن نمارس ما نعتقد أنه صحيح، ونتعلم بالتجربة". ويتوقف البشري قليلاً، ثم يواصل قائلاً "عليهم أن يمدونا بالنصح من خلال ما مروا به من تجارب لا يمكن إنكارها، ولكن يجب أن يكون هناك هامش للنقاش، ومجال للتجربة، وأن نتعلم من الخطأ، فالتعليم من الخطأ، أكثر نفعاً من التلقين الإيجابي".
فهد الأسمري، مراهق في السابعة عشرة من عمره، يدعم ما ذهب إليه البشري، ويضيف إليه " إن التضييق المستمر، وتسفيه آرائنا بصفة دائمة، واعتبار كل ما نفكر فيه ضحلاً، يدفعنا دائماً إلى تجنب البوح بما في نفوسنا، لآبائنا، خوفاً من التقريع والتأنيب". ويواصل "هذا ما يجعلنا نلجأ إلى آخرين ليسوا قريبين منا بشكل ملائم، ولكنهم على أي حال يستمعون إلينا باهتمام، ويشاركوننا النقاش فيما نثيره معهم من مشكلات لنا، أو آراء تداعب رؤوسنا، ونخرج بحلول من هذه النقاشات، نعتقد بصحتها، ولكن يثبت فيما بعد أنها غير صحيحة، وأنها توقع الضرر بنا".
الشاب عبدالله الشهراني، 17 عاماً، يؤكد "أن مشكلات المراهقين تكون حساسة في كثير من الأحيان، وآباؤنا لا يستطيعون استيعاب الحديث في مثل هذه الأمور، بل نحن كذلك جبلتنا تربيتنا على ألا نبوح بمثل هذه الهواجس أو الأفكار لمن هم يتولون أمور حياتنا، كالآباء والأمهات، والأخوات، وأن نتعامل فيها فيما بيننا وبين أنفسنا كمراهقين، لأن حتى الآباء تربوا على ذلك، ويجب أن يفتح المجال أمامنا، ولو في المدارس، لمناقشة هموم المراهقة من قبل معلمين متخصصين، نستطيع الإفادة منهم، ونستطيع أن نتناقش معهم بحرية، ودون خشية، فهذا هو أول الطريق لتجنب الأخطاء الكبيرة، وتلمس السبل الصحيحة في ممارسة حياتنا".
حذار من الانتهازيين
من جهته يقول المستشار في علاج مشكلات المراهقين في دولة الكويت خالد حسن مال الله "تكثر حاجة المراهق إلى أشخاص قريبين منه ومتابعته أولا بأول، وإشعاره بأنه من ضمن المجتمع، و أنه لا ينفصل عنه، و بالتالي مساعدته في تجاوز هذه المرحلة من خلال فتح آفاق الحوار معه و السماع لأفكاره ووجهات نظرة ومساعدته في معالجة مشكلاته المختلفة.
ويرى مال الله أن من أهم الأمور التي يحتاجها المراهق في هذه الفترة هي تعليمه وتوجيهه في كيفية تعامله مع مشكلاته المختلفة ومن ثم معالجتها، لأن الكثير من المراهقين لا يجيدون ذلك وبالتالي قد يكون فريسة سهلة للاستغلاليين، وبالتالي تتفاقم المشكلة أو قد تتسبب بإيجاد مشكلة أخرى جديدة. و"قد مر علينا الكثير من هذه الأمور حيث يكون المراهق لديه مشكلة معينة، ومن ثم يلجأ دون أدنى خبرة إلى بعض الانتهازيين، وحينها يقوم أولئك بابتزاز هذا المراهق بحجة الاهتمام بحل مشكلته مما يوقعه في مشكلة أكبر منها.
ابتزاز عاطفي
ويروي مال الله قصته مع مراهق تعرض لنوع خاص من الابتزاز فيقول "اتصلت إحدى الأمهات تشكو من قيام ابنها بسرقة خاتمي ألماس تخصان خالته قيمة أحدهما 700 دينار كويتي، والآخر 1000 دينار كويتي وقيامه بسرقة مبلغ و قدره 400 دينار كويتي من رصيد البنك "الدينار الكويتي يعادل حوالي 13 ريالاً سعودياً". وعندما جلسنا مع الابن اعترف بالسرقة، وأنه قام بها من أجل فتاة تعرف عليها في أحد الأسواق. وشرح لنا كيف كان يشتكي لها من مشكلاته العاطفية وهي كانت تعوضه بالكلام المكذوب وتبتزه من جانب آخر، فقام بالسرقة لإرضائها. ومن أسباب هذه المشكلة ومما ساعد على تفاقمها انفصال الوالدين، وأنه الوحيد لدى والدته، ووالدته مشغولة عنه، فبالتالي هو يعاني من فراق عاطفي ونقص في الحنان من كافة الأطراف وخاصة في هذه المرحلة. ووجد من يستمع له ويغدق عليه كلمات الحنان والحب والعطف وغيرها... فسقط ضحية الابتزاز العاطفي، ولو أننا عالجنا مشكلته من البداية، وملأنا فراغه العاطفي بالحب الحقيقي العائلي، لما سقط ضحية لهذا النصب والابتزاز".
ويستخلص مال الله من ذلك أنه على المربين وأولياء الأمور أن يهتموا بتربية وتعليم أبنائهم كيفية التعامل مع مشكلاتهم الشخصية، ومن ثم مساعدتهم على معالجتها.
احترام شخصية المراهق
ويشدد المرشد الطلابي بثانوية العارض في الرياض فهد الشلهوب على احترام شخصية المراهق، ويقول "إذا أردنا أن نؤهل المراهق لكي يتخذ القرارات السليمة والصحيحة لحل مشكلاته أو الصعوبات التي يواجهها، لا بد أن نحترم هذه الشخصية من خلال إشراكه في الرأي والحوار واتخاذ القرارات، وتحميله المسؤوليات بالتدرج كي يثق بنفسه وقدراته وأن نساعده على أن يكون عنصرا إيجابيا و فعّالا في مجتمعه. وذلك من خلال تقبله واحترامه وتفهم مشكلاته، وعبر هذه الوسائل المحببة نحدث التغيير المطلوب في سلوك هذه المرحلة العمرية". وحمل الشلهوب المدرسة جزءاً من المسؤولية، بقوله "كما تستطيع المدرسة أن تؤهل المراهق كي يتخذ القرارات المناسبة والصحيحة. وعلى سبيل المثال يستحسن تكليف الطالب المراهق بمسؤوليات محدودة، وتحت إشراف الراشدين من معلميه داخل المدرسة، مثل عريف الفصل، أو رئاسة جماعة النشاط، أو قيادة الفرقة الكشفية، أو مهمة المخرج في المسرح المدرسي، بالإضافة إلى كثير من الأدوار القيادية في جماعات النشاط المختلفة". ويضرب الشلهوب مثلا بما تم هذا العام الدراسي، في المدرسة التي يعمل بها، فيقول "كونا في مدرستنا مجلساً شورياً طلابياً داخل المدرسة، من أجل تنمية روح المشاركة والجماعية من خلال تدارس الصعوبات التي يواجهها الطلاب، ووضع حلول مناسبة، وإشراكهم في الخطط والبرامج، ليكونوا متفاعلين مع مدرستهم، مما يزيد من معدلات الإنتاجية، وخلق جيل واع يتسم بالتعاون والمحبة والإيجابية وأن يكون كل طالب عضوا فعالا داخل مدرسته ومجتمعه".
ويشدد الشلهوب على أن المرشد لطلابي الناجح هو الذي يفعّل البرامج الإرشادية والإنمائية والإنتاجية مع الجهات ذات العلاقة، وبالتنسيق مع الإدارة المدرسية والمعلمين.
حسن التعامل.. كنز
و يعود الصالح ليشدد على حاجة المراهق لحسن التعامل، من حيث الإنصات الجيد لما قد يعانيه من خلال تعاملاته المختلفة، وحسن العشرة مع من حوله لمساعدته على تقبل ذاته، والصبر على قلة خبرته وسلوكياته الخاطئة، والوقوف بجانبه لكي يجتاز هذه المرحلة الانتقالية، وهو أكثر اعتمادا على نفسه، وأكثر شعورا بالرضا بقدرته على أداء واجباته.
ويبين الصالح أن المراهق بحاجة ماسة إلى الانتماء والشعور بالرضا لوضعه الاجتماعي والنفسي، مما ينعكس بشكل إيجابي على نموه الانفعالي. وأن أي خلل يصيب المراهق من حيث انتماؤه، أو تاريخه، أو البيئة التي يعيش فيها، سوف يؤدي إلى أن يكون غير فخور بذلك، مما يجعله يبحث عمن يمده بالفخر والانتعاش، ولو من أناس من خارج بيئته، وربما يمدونه بأمور لا توافق مبادئه أو تاريخه، أو البيئة التي يعيش فيها، أو أعرافه الاجتماعية، فيقبل على ما يقدم له بسبب شعوره بالفراغ الذي يعيشه في مجتمعه، وذلك رغبة في الانتماء.
ويختم الصالح حديثه قائلاً "إن البيت والمدرسة والمجتمع بكل أركانه، مطالبة بأن تكون معينا وصديقا للمراهق، لبلورة حسن الانتماء، وإيجابية الاتجاهات. وذلك لا يكون بالتمني والرجاء فقط، وإنما لابد من صدق العمل والإخلاص في التوجه، من حيث حسن التربية، وسلامة المعتقد، وإيجابية التعامل، لكي نكسب أبناءنا المراهقين، ونجعلهم بذرة صالحة، مؤمنة بدينها، مخلصة لوطنها، تعيش بكرامة تاريخها المشرف، تطلعة لغد مشرق مليء بالحب، والتفاؤل، والتضحية، وحب الغير.
خطوات للمعالجة
ويحدد مال الله وفق تجربته الميدانية الكيفية التي يجب على المربين والمهتمين بقضايا المراهقين الأخذ بها من أجل معالجة ناجحة، وذلك عبر الخطوات التالية: أولا تحديد المشكلة، وهل هي مشكلة رئيسية "كترك الصلاة أو عقوق الوالدين أو تعاطي المخدرات"، أم هي مشكلة ثانوية "كشراء سيارة جديدة أو اقتناء ساعة أخرى أو خلاف شخصي"، حيث إن هناك الكثير من المشكلات لدى المراهق وتشغل تفكيره وقد تكون مشكلات ليست ذات أهمية، وينسى ما هي أهم كمن يفكر في كيفية الحصول على هاتف نقال جديد أو ساعة يد ثمينة، ويغفل عن معالجة الكذب أو سوء الأدب لديه. وثانياً، التفكير بالمشكلة من كل جوانبها وتعميق التفكير في ذلك وأخذ الوقت الكافي في النظر بكل جوانبها، وعدم التسرع في طرح العلاج وبخاصة أمام القضايا الشائكة والمستجدة. ثالثاً، تصنيف المشكلة التي يعاني منها المراهق، ويتم ذلك وفق جدول التصنيفات المختلفة "نفسية، عقلية، أخلاقية، صحية، تربوية". وذلك لتسهيل علاجها. فهل المشكلة التي يعاني منها المراهق هي مشكلة نفسية داخلية، أم هي انحراف سلوكي أخلاقي، أم هي مشكلة قيمية، أم هي مشكلة صحية؟ لأن الكثيرين من المراهقين لا يعرفون ما هي مشكلتهم بالضبط، وقد يستخدم أحدهم خلالها أسلوبا علاجيا غير مناسب لها، كأن يعاني المراهق من تدني المستوى الدراسي فيشخص العلاج على أنه لا يذاكر، ويتم التركيز عليه في ذلك الجانب، ويكون السبب الرئيس هو عدم وجود المهارات الأساسية في توصيل المعلومة لدى المدرس مثلاً، أو أن يعاني المراهق من عدم تقبل الآخرين له، فتشخص المشكلة بأن الآخرين سيئون ويحاولون الإساءة له ولكن المشكلة الرئيسة تكمن في أن المراهق ينقصه أدب التعامل مع الآخرين.
رابعاً، تحليل المشكلة، من حيث "بدايتها، مسبباتها، مكملاتها..."، وذلك من خلال معرفة جذورها الأولية، ومتى بدأت والأسباب التي هيأت الظروف لها، وكافة الجوانب الأخرى التي ساعدت على تفاقم المشكلة، مما أدى إلى اتساعها وتضخمها.
خامساً، تفكيك المشكلة، بتجزئتها إلى أجزاء ثم البداية بحل كل جزء على حدة، وفق الحل المناسب لها، وبالتالي تتم معالجتها بهدوء وتشذيبها من متعلقاتها المختلفة، والتي كانت سببا في انتشار وتفاقم هذه المشكلة لدى المراهق.
وأخيراً، معالجة المشكلة، بوضع جدول زمني لعلاجها، حيث إن بعض المشكلات حلها سريع، وبعضها يحتاج إلى فترة من الزمن كأسبوع أو شهر، وبعضها يكون تراكميا بمعنى أنها تحتاج إلى تفكيك ومن ثم معالجتها وفق برنامج علاجي مكثف، قد يمتد إلى أشهر عدة أو ربما عام كامل.
توجيهات للمراهقين
ويوجه مال الله حديثه إلى الشباب فينصحهم حين الوقوع في أي مشكلة بالبعد عن الآخرين مؤقتا، لتسهل عليهم مراجعة المشكلة والتفكير فيها من كل جوانبها، وللمحافظة على ردود الأفعال السلبية تجاه الآخرين وللتحكم في المشاعر، ثم الجلوس في مكان هادئ للتركيز على المشكلة وعدم التشويش، وإتاحة الفرصة أمام أنفسهم لمعالجة المشكلة.
ونصح مال الله بشرب كوب ماء بارد، في مثل هذه الأحوال لأن ذلك من شأنه أن يفيد في التهدئة النفسية الداخلية لدى المراهق، وذلك مصداقا لتوجيه النبي، صلى الله عليه وسلم، للغاضب، إذا كان واقفا أن يجلس أو كان جالسا أن ينام، أو يطفئ الغضب بالوضوء، فإنه من الشيطان. ويمضي مال الله فينصح الشاب بعدها بأخذ نفس عميق مع الاسترخاء لتخفيف الضغط النفسي الداخلي، ولتخفيف ارتفاع ضغط الدم في الجسم وتخفيض تسارع دقات القلب بفعل التوتر الذهني والغضب والفوران الداخلي الذي يمر به. وعلى المراهق بعدها أن يحاول تفريغ ما بداخله لتخفيف الكبت الداخلي عن طريق "قراءة القرآن، الدعاء، البكاء، النوم، ، الأكل، ممارسة الرياضة، الصراخ، الاستحمام، الكتابة". فإن أياً من هذه الأشياء كفيل بالتخفيف من الضغط الداخلي والكبت المتراكم على المراهق، فلا بأس من القيام بأي منها، ولا يعد ذلك مثلمة في حقه، أو نقصانا في شخصيته.
ويحذر مال الله كل شاب من إفشاء أسراره للآخرين، حتى لا يكون أسيرا لهم أو فريسة سهلة للابتزاز من قبل أولئك. ويستثني من ذلك الوالدين والمربي والاستشاري، ومن يوثق به، والحذر من الغرباء وزميل الدراسة وأبناء الأقارب والجيران وبعض المدرسين، وأحيانا الأخ الأكبر. وقد مر بنا الكثير من المشكلات التي مر بها المراهقون وبعضها جسيم نتيجة وقوعهم فريسة للابتزاز من قبل الآخرين وأشدها هو ابتزاز الأقارب كأبناء العمومة أو الخؤولة، وقد تكون آراؤهم سببا في اتساع هذه المشكلة أو تكون حلولهم غير مناسبة وغير مجدية، كما قد يجد الشاب بروداً وعدم اهتمام من قبلهم مما يضاعف الهم والمشكلة لديه.
وأخيرا يشدد مال الله على الشباب بعدم التعجل في إيجاد الحلول بل على كل شاب أن يضع أمامه حلولا كثيرة كبدائل. و من ثم يرتبها ثم يفاضل بينها ويختار أنسب الحلول لمعالجة مشكلته. وقد مرت بنا حالات كان أول قرار اتخذ هو الانتحار، ولو رجعنا إلى سبب المشكلة لوجدنا الأمر تافها ولا يستدعي كل هذه الضجة، فليس الانتحار حلا ولا الهروب من الواقع حلا ولا تعاطي المخدرات حلا، وإنما الهدوء وحسن التفكير وضبط النفس هو السبيل الأمثل للعلاج.