صفي النية
18-Nov-2003, 11:08 PM
(حكي أنّ الحجاج أمر صاحب حراسته أن يطوف بالليل فمن وجده بعد العشاء ضرب عنقه، فطاف ليلة فوجد ثلاثة صبييان يتمايلون، وعليهم أثر الشراب، فأحاط بهم وقال لهم من أنتم حتى خالفتم الأمير، فقال الأول :-
أنا إبن من دانت الرقــــاب له
ما بين مخزومهــا وهاشمهـــا
فيأخذ من مالهــــا ومن دمها
تأتيــــه بالرغم وهي صاغرة
فأمسك عن قتله وقال : لعله من أقارب أمير المؤمنين. وقال الثاني :-
أنا ابن الذي لا ينزل الدهر قـدره
وإن نزلت يوما فسوف تعـــود
ركاباه لا تنفك رجـــلاه منهما
اذا الخــيل في يوم الكريهة ولت
فأمسك عن قتله وقال : لعله من شجعان العرب. فلما أصبح رفع أمرهم إلى الحجاج فأحضرهم وكشف حالهم. فإذا الأول إبن حجام والثاني إبن فوال والثالث إبن حائك. فتعجب من فصاحتهم،وقال لجلسائه علّموا أولادكم الأدب فوالله لولا فصاحتُهم لضربت أعناقَهم ثم أطلقهم وأنشد:
كن إبن من شئت وإكتسب أدبـــا
يغنيك محموده عن النســـــــب
إن الفتى من يقـــول هــــــا أنذا
ليس الفتى من يقول كان أبــــي)(9)
تكشف هذه الحكاية سلسلة من الإنتهاكات المتواصلة، في المرة الأولى ينتهك الصبيان الثلاثة ثلاث سلطات: قرار الأمير بالخروج ليلا، وتعاطي الخمر، والأخبار الكاذبة عن أصولهم، فثمة إنتهاك لسلطات واضحة: سياسية ودينية وأخلاقية، ولكن ما يمكن أن يندرج تحت ( السلطة الأخلاقية ) لا يمكن بأي حال من الأحوال إعتباره إنتهاكا من وجهة نظرهم، وفيما يُخدع الحارس بهذا الكذب، يكون الصبيان قد مارسوا (صدقا بلاغيا) كما سنرى. لكن الحارس لم يستطع أن يفكّ شفرة الصدق، الوحيد الذي نجح في ذلك. هو الحجاج. أما الانتهاك الثاني فيمارسه الحارس، فهو بخلاف قرار الحجاج الذي ينص على ضرب عنق كل من خرج بعد العشاء يقوم بسلسلة متعاقبة منه الإنتهاكات، تتصل جميعها بالشكوك والظنون التي تنشأ لديه وهو يستجوب الصبيان. والواقع فإن الحارس يقع ضحية الاحتمالات التي تثيرها في نفسه تلك الشكوك وهو أمر يفضح الخروق الظاهرة بالنسبة له في سلطة الأمير الذي يعتبر هو آلتها التنفيذية، فسلطة الأمير يمكن استخدامها واعادة استخدامها مرة أخرى حسب الموضوع المتصل بها، فثمة هامش سري يجري التواطؤ عليه بين الحاكم وآلة الحكم بحيث أنه في هذا الهامش الذي يتسع أحيانا ليكون متنا قائما بذاته، يجري انحراف وتزييف لمضمون السلطة المعلنة للجميع. هنالك تفاهم عرفي بين الحجاج وحارسه الممثلين لكل حاكم وآلة حكمه وهو الاّ تمتد السلطة الى المناطق الخطرة، الى تلك الهوامش المؤثرة التي تقع خارج سلطة الأمير نفسه.
إن هرم السلطة يتركب من مستويات متدرجة ولا يمكن للحجاج أن يتربع علىقمته، إنه في حقيقة الأمر يحتل موقعا في أجزائه السفلى ومن هذا الموقع سيبني هرم سلطته الخاص. يقع خارج سلطة الأمير إذن من هم من أقارب (أمير المؤمنين) ومن هم (من أشراف العرب) ومن هم (شبان العرب) وهي فئات تبدو سلطتها أوسع مما لدى الأمير نفسه الى درجة يبدو أن الأمير هنا قد تحول الى وسيلة تنفيذية أمام هذه الفئات، شأنه في ذلك شأن صاحب حراسته. الصبيان الثلاثة وهم يرسلون إشارات مزدوجة الدلالة للحارس حول أصوله، يستطيعون أن يكشفوا ذلك التواطؤ، والحقيقة فتنكرهم المزدوج يفضح الحارس والأمير وليس من حل إلا يمضي الحجاج في الخضوع لسلطتهم هم وذلك بابتكار نوع خاص من التواطؤ معهم.
التواطؤ الذي يقترحه الحجاج هو بذاته نوع من الانتهاك، انه ينتهك قراره بأن يضرب عنق كل من يخرج ليلا، وذلك حينما يسرح الصبيان الثلاثة، ولكن الأمر الذي يكتسب أهمية خاصة هو أن الحجاج لا يسرحهم بناء على ما صرح به فقط ( تعجب من فصاحتهم) ثم قال لجلسائه (علموا أولادكم الأدب فوالله لولا فصاحتهم لضربت أعناقهم ) وكما أن الصبيان أعلنوا شيئا وأخفوا آخر في حوارهم الشعري مع الحارس، فإن الحجاج مستعينا بالاسلوب ذاته يعلن أمام المجلس شيئا لكنه يخفي آخر. وفي نهاية الحكاية ينظم الحجاج الى الصبيان في أنهم يرسلون الى الآخرين (الحارس + المجلس) رسائل إحتمالية، هم يريدون منها قصدا معينا، لكن أولئك يستخلصون مقاصد مختلفة، يعق الحارس ضحية الخداع البلاغي الذي يمارسه الصبيان الثلاثة، ويقع المجلس والحارس ضحية خداع الحجاج البلاغي. وفي كل الأحوال يجري انتهاك متواصل لكل السلطات لكن (البلاغة) تمنع انفجار المواقف، وتوقف العقاب. فيطلق صراح الصبيان على الرغم من أنهم انتهكوا ثلاث سلطات متداخلة: سياسية، دينية وأخلاقية، ولا ترد اشارة الى أن الحجاج عاقب حارسه بأنه انتهك قراره. لأن هنالك عرفيا بينهما لحدود سلطة الأمير. تضع لنا الحكاية الصبيان والحجاج في مستوى واحد وأخيرا يبدو أن الحجاج قد وجد ضالته في أبناء الحجّام والفوّال والحائك، ومن الواضح أنه هذه الفئة الجديدة من المرسلين ( الصبيان + الحجاج) كانت تمارس انتهاكا أكبر بكثير مما تقدمه الحكاية مباشرة. إنه الاحتجاج ضد ثقافة البعد الدلالي الواحد للقول الأدبي. يظهر تنازع ضمني لكنه فاعل في البنية الثقافية، فالصبيان الذين يتنكرون في غلالة اللغة وايحاءاتها، ينتهكون قصدا ضربا من الفهم للادب، فهم يريدون للأدب ان يقول قولا واحدا، قولا لا يحتمل التعدد والاختلاف. يمثل هذا الفهم الحارس، لكن الحجاج سيطور هذه الوسيلة، فهو الذي ينتمي الى النسيج الثقافي والشعوري ذاته الذي ينتمي إليه الصبيان، يتلاعب- مهتديا بالصبيان هذه المرة-بجلسائه، إنه يرسل رسالة ضمنية تكشف عن أصوله وإنتماءاته كل فع لاصبيان، لكن قصور جلسائه يحول دون أن يفهموا مؤدّى رسالته، يتشارك هنا الحجاج وحارسه في أنهم لا يستطيعون إلا الوقوف على ظاهر النص. ليس لهم القدرة على إنتهاك يماثل إنتهاك الصبيان والحجاج لكل مستويات السلطة والأدب، إنهم غير قادرين على تمزيق الغشاء الرقيق الذي يحجب المركز الدلالي للنص.
يعتمد الصبيان إستثمار الإمكانات البلاغية للغة الخاصة، قصدت الشعر الذي هو في الثقافة العربية ألصق بالسلطة من النثر المتخيل الذي أقصى باعتباره وسيلة العامة للتعبير عن هواجسها، فأعتبر مكروها لمن فعله ولمن أستمع إليه (10) ووجه ذلك إن بواطن العامة مشحونة بحك الهوى كما يقول إبن الجوزي (11) ولهذا فإن قلوبهم إلى الخرافات أميل كما يقرر البيروني(12). ونواجه بأول مفارقة يمثلها الحوار بين الحاكم والمحكوم. المحكوم يستعين بالشعر الذي ينطوي على أكثر من مقصد، أما الحاكم فيستعين بالنثر. ومع أن الحارس لا يتلفظ عنا إلا بجملة واحدة (من أنتم حتى خالفتم الأمير؟)، فإنه يخاطب نفسه سرا كاشفا عن مخاوف وتوجسات كثيرة. وفي كل مرة يستمع فيها إلى أحد الصبيان، يرجّح فهما معينا لكنه لا يعلنه، إنه يراكم خطابه الداخلي مع نفسه، لأنه يضيع وسط شبكة الإحتمالات، وفي النهاية يقرر أن يحضرهم إلى الأمير. وفيما تُفرغ الشحنة النفسية عند الحارس، فإنها تتشكل عند الحجاج الذي يستطيع أن يفهم مقاصد الصبيان. إن الحكاية تؤشر أن الحجاج (تعجب من فصاحتهم) هذا يعني أنه استمع إليهم جيدا، و (كشف حالهم). لقد تمكن بوسائل أدبية من ذلك حيث عجز الحارس. وهنا ينبغي علينا أن نعرف أن الصبيان أنشدوا أبياتهم الرمزية مرة أخرى في مجلس الحجاج. ولا يتردد هو الآخر في أن يماثلهم في إرسال نص رمزي يسيء فهمه المجلس، ويخدع بمظهره. كان الحجاج يوجه خطابه إلى الصبيان الذين يتشارك وإياهم في وضاعة النسب والإنتماء، فكما نجحوا هم في إنتهاك سلطات تمارس إكراها، تمكن هو من إنتهاك السلطة بمعناها المباشر، أخترق هرمها ووجد لنفسه، عبر أفعال عنيفة وأقوال مُرمّزة، موقعا معروفا في سفحها.
هذا والموضوع يطول تحليله ولكن نكتفي بهذا الإستقطاع وبالله التوفيق
أنا إبن من دانت الرقــــاب له
ما بين مخزومهــا وهاشمهـــا
فيأخذ من مالهــــا ومن دمها
تأتيــــه بالرغم وهي صاغرة
فأمسك عن قتله وقال : لعله من أقارب أمير المؤمنين. وقال الثاني :-
أنا ابن الذي لا ينزل الدهر قـدره
وإن نزلت يوما فسوف تعـــود
ركاباه لا تنفك رجـــلاه منهما
اذا الخــيل في يوم الكريهة ولت
فأمسك عن قتله وقال : لعله من شجعان العرب. فلما أصبح رفع أمرهم إلى الحجاج فأحضرهم وكشف حالهم. فإذا الأول إبن حجام والثاني إبن فوال والثالث إبن حائك. فتعجب من فصاحتهم،وقال لجلسائه علّموا أولادكم الأدب فوالله لولا فصاحتُهم لضربت أعناقَهم ثم أطلقهم وأنشد:
كن إبن من شئت وإكتسب أدبـــا
يغنيك محموده عن النســـــــب
إن الفتى من يقـــول هــــــا أنذا
ليس الفتى من يقول كان أبــــي)(9)
تكشف هذه الحكاية سلسلة من الإنتهاكات المتواصلة، في المرة الأولى ينتهك الصبيان الثلاثة ثلاث سلطات: قرار الأمير بالخروج ليلا، وتعاطي الخمر، والأخبار الكاذبة عن أصولهم، فثمة إنتهاك لسلطات واضحة: سياسية ودينية وأخلاقية، ولكن ما يمكن أن يندرج تحت ( السلطة الأخلاقية ) لا يمكن بأي حال من الأحوال إعتباره إنتهاكا من وجهة نظرهم، وفيما يُخدع الحارس بهذا الكذب، يكون الصبيان قد مارسوا (صدقا بلاغيا) كما سنرى. لكن الحارس لم يستطع أن يفكّ شفرة الصدق، الوحيد الذي نجح في ذلك. هو الحجاج. أما الانتهاك الثاني فيمارسه الحارس، فهو بخلاف قرار الحجاج الذي ينص على ضرب عنق كل من خرج بعد العشاء يقوم بسلسلة متعاقبة منه الإنتهاكات، تتصل جميعها بالشكوك والظنون التي تنشأ لديه وهو يستجوب الصبيان. والواقع فإن الحارس يقع ضحية الاحتمالات التي تثيرها في نفسه تلك الشكوك وهو أمر يفضح الخروق الظاهرة بالنسبة له في سلطة الأمير الذي يعتبر هو آلتها التنفيذية، فسلطة الأمير يمكن استخدامها واعادة استخدامها مرة أخرى حسب الموضوع المتصل بها، فثمة هامش سري يجري التواطؤ عليه بين الحاكم وآلة الحكم بحيث أنه في هذا الهامش الذي يتسع أحيانا ليكون متنا قائما بذاته، يجري انحراف وتزييف لمضمون السلطة المعلنة للجميع. هنالك تفاهم عرفي بين الحجاج وحارسه الممثلين لكل حاكم وآلة حكمه وهو الاّ تمتد السلطة الى المناطق الخطرة، الى تلك الهوامش المؤثرة التي تقع خارج سلطة الأمير نفسه.
إن هرم السلطة يتركب من مستويات متدرجة ولا يمكن للحجاج أن يتربع علىقمته، إنه في حقيقة الأمر يحتل موقعا في أجزائه السفلى ومن هذا الموقع سيبني هرم سلطته الخاص. يقع خارج سلطة الأمير إذن من هم من أقارب (أمير المؤمنين) ومن هم (من أشراف العرب) ومن هم (شبان العرب) وهي فئات تبدو سلطتها أوسع مما لدى الأمير نفسه الى درجة يبدو أن الأمير هنا قد تحول الى وسيلة تنفيذية أمام هذه الفئات، شأنه في ذلك شأن صاحب حراسته. الصبيان الثلاثة وهم يرسلون إشارات مزدوجة الدلالة للحارس حول أصوله، يستطيعون أن يكشفوا ذلك التواطؤ، والحقيقة فتنكرهم المزدوج يفضح الحارس والأمير وليس من حل إلا يمضي الحجاج في الخضوع لسلطتهم هم وذلك بابتكار نوع خاص من التواطؤ معهم.
التواطؤ الذي يقترحه الحجاج هو بذاته نوع من الانتهاك، انه ينتهك قراره بأن يضرب عنق كل من يخرج ليلا، وذلك حينما يسرح الصبيان الثلاثة، ولكن الأمر الذي يكتسب أهمية خاصة هو أن الحجاج لا يسرحهم بناء على ما صرح به فقط ( تعجب من فصاحتهم) ثم قال لجلسائه (علموا أولادكم الأدب فوالله لولا فصاحتهم لضربت أعناقهم ) وكما أن الصبيان أعلنوا شيئا وأخفوا آخر في حوارهم الشعري مع الحارس، فإن الحجاج مستعينا بالاسلوب ذاته يعلن أمام المجلس شيئا لكنه يخفي آخر. وفي نهاية الحكاية ينظم الحجاج الى الصبيان في أنهم يرسلون الى الآخرين (الحارس + المجلس) رسائل إحتمالية، هم يريدون منها قصدا معينا، لكن أولئك يستخلصون مقاصد مختلفة، يعق الحارس ضحية الخداع البلاغي الذي يمارسه الصبيان الثلاثة، ويقع المجلس والحارس ضحية خداع الحجاج البلاغي. وفي كل الأحوال يجري انتهاك متواصل لكل السلطات لكن (البلاغة) تمنع انفجار المواقف، وتوقف العقاب. فيطلق صراح الصبيان على الرغم من أنهم انتهكوا ثلاث سلطات متداخلة: سياسية، دينية وأخلاقية، ولا ترد اشارة الى أن الحجاج عاقب حارسه بأنه انتهك قراره. لأن هنالك عرفيا بينهما لحدود سلطة الأمير. تضع لنا الحكاية الصبيان والحجاج في مستوى واحد وأخيرا يبدو أن الحجاج قد وجد ضالته في أبناء الحجّام والفوّال والحائك، ومن الواضح أنه هذه الفئة الجديدة من المرسلين ( الصبيان + الحجاج) كانت تمارس انتهاكا أكبر بكثير مما تقدمه الحكاية مباشرة. إنه الاحتجاج ضد ثقافة البعد الدلالي الواحد للقول الأدبي. يظهر تنازع ضمني لكنه فاعل في البنية الثقافية، فالصبيان الذين يتنكرون في غلالة اللغة وايحاءاتها، ينتهكون قصدا ضربا من الفهم للادب، فهم يريدون للأدب ان يقول قولا واحدا، قولا لا يحتمل التعدد والاختلاف. يمثل هذا الفهم الحارس، لكن الحجاج سيطور هذه الوسيلة، فهو الذي ينتمي الى النسيج الثقافي والشعوري ذاته الذي ينتمي إليه الصبيان، يتلاعب- مهتديا بالصبيان هذه المرة-بجلسائه، إنه يرسل رسالة ضمنية تكشف عن أصوله وإنتماءاته كل فع لاصبيان، لكن قصور جلسائه يحول دون أن يفهموا مؤدّى رسالته، يتشارك هنا الحجاج وحارسه في أنهم لا يستطيعون إلا الوقوف على ظاهر النص. ليس لهم القدرة على إنتهاك يماثل إنتهاك الصبيان والحجاج لكل مستويات السلطة والأدب، إنهم غير قادرين على تمزيق الغشاء الرقيق الذي يحجب المركز الدلالي للنص.
يعتمد الصبيان إستثمار الإمكانات البلاغية للغة الخاصة، قصدت الشعر الذي هو في الثقافة العربية ألصق بالسلطة من النثر المتخيل الذي أقصى باعتباره وسيلة العامة للتعبير عن هواجسها، فأعتبر مكروها لمن فعله ولمن أستمع إليه (10) ووجه ذلك إن بواطن العامة مشحونة بحك الهوى كما يقول إبن الجوزي (11) ولهذا فإن قلوبهم إلى الخرافات أميل كما يقرر البيروني(12). ونواجه بأول مفارقة يمثلها الحوار بين الحاكم والمحكوم. المحكوم يستعين بالشعر الذي ينطوي على أكثر من مقصد، أما الحاكم فيستعين بالنثر. ومع أن الحارس لا يتلفظ عنا إلا بجملة واحدة (من أنتم حتى خالفتم الأمير؟)، فإنه يخاطب نفسه سرا كاشفا عن مخاوف وتوجسات كثيرة. وفي كل مرة يستمع فيها إلى أحد الصبيان، يرجّح فهما معينا لكنه لا يعلنه، إنه يراكم خطابه الداخلي مع نفسه، لأنه يضيع وسط شبكة الإحتمالات، وفي النهاية يقرر أن يحضرهم إلى الأمير. وفيما تُفرغ الشحنة النفسية عند الحارس، فإنها تتشكل عند الحجاج الذي يستطيع أن يفهم مقاصد الصبيان. إن الحكاية تؤشر أن الحجاج (تعجب من فصاحتهم) هذا يعني أنه استمع إليهم جيدا، و (كشف حالهم). لقد تمكن بوسائل أدبية من ذلك حيث عجز الحارس. وهنا ينبغي علينا أن نعرف أن الصبيان أنشدوا أبياتهم الرمزية مرة أخرى في مجلس الحجاج. ولا يتردد هو الآخر في أن يماثلهم في إرسال نص رمزي يسيء فهمه المجلس، ويخدع بمظهره. كان الحجاج يوجه خطابه إلى الصبيان الذين يتشارك وإياهم في وضاعة النسب والإنتماء، فكما نجحوا هم في إنتهاك سلطات تمارس إكراها، تمكن هو من إنتهاك السلطة بمعناها المباشر، أخترق هرمها ووجد لنفسه، عبر أفعال عنيفة وأقوال مُرمّزة، موقعا معروفا في سفحها.
هذا والموضوع يطول تحليله ولكن نكتفي بهذا الإستقطاع وبالله التوفيق