المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كيف تصبح (علماً )من دون عاهة؟


طرقي
30-Oct-2003, 04:02 AM
أبو الموسيقى الكلاسيكية الألماني بتهوفن ازداد إنتاجه وأبدع في سيمفونياته منذ أن بدأ يفقد السمع تدريجياً، وأصبح بحق "أطرش في الزفة"، يلحن لكنه لا يسمع ألحانه. ولا أدري إن كان يجوز قياس حالة بتهوفن على الكتابة، فمَثَلُ بتهوفن مثل الكاتب أو الشاعر الذي يكتب كلاماً لا يفهمه هو ولكن الآخرين ينزلون كلامه دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق،

ثم نجد أديباً مرموقاً كالدكتور طه حسين الذي أصيب بالرمد في طفولته، فعرضه أهله على حلاق القرية الذي عالجه بالعمى إلى الأبد، ولا أدري كيف سيواجه الحلاق ربه؟ لكنه يتفوق على أقرانه بعد ذلك ـ أقصد الدكتور ـ بل وعلى أدباء عصره، فيصبح وبجدارة عميداً للأدب العربي ويعين وزيراً للمعارف في بلاده.

وكذلك الفرنسي برايل الذي ابْتُليَ بالعمى منذ طفولته، فاخترع حروفاً على شكل نقاط نافرة مكّنت المكفوفين في جميع أنحاء العالم من قراءة الكتب، ولا زالت البشرية إلى يومنا هذا تدين له بالفضل في دمج المكفوفين مع المجتمع وجعل حياتهم ذات معنى.

وإذا اعتبرنا القصر غير المألوف عاهة جسدية، فإن نابليون بونابرت الذي كان يبلغ متراً ونصف، أي أقصر مني بقليل، ولم يكن يُعرف أهو قائم أم قاعد، استطاع القفز فوق رؤوس فرسان بلاده وارتقى ليصبح امبراطوراً على فرنسا وكاد أن يتربع على عرش أوروبا بأسرها، ويعد هذا القصير العبقري أحد أبرز القادة العسكريين في التاريخ.

والممثل الكوميدي شارلي شابلن استطاع بجسمه الهزيل وحجمه الصغير وقدميه الملتويتين، وهي عاهات مجتمعة، من أن يبكي ويضحك الجماهير بأفلامه التي كان يكتبها بنفسه. وإذا ما أضفنا لعاهته الجسدية عاهة نفسية، حيث أن والده كان سكيراً وأمه مغنية وراقصة، لعرفنا أن العاهات تولد العباقرة.

وإذا ما عرجنا على العاهات أو العقد النفسية، فإن الأمثلة أكثر وأسطع،
ولنأخذ الكاتب والشاعر والمؤرخ الشهير صاحب العبقريات الأستاذ عباس العقاد مثلاً، فهو لم يتزوج قط، بل إن له رأياً غريباً وشاذاً في المرأة، بحيث يرى أنها لا تملك موهبة أو فضيلة أبداً، وأرى أن عقدته النفسية بالامتناع عن الزواج كانت السبب الرئيس في بلوغه تلك المرتبة الرفيعة بين أدباء عصره، حتى بايعه طه حسين بإمارة الشعر بعد موت شوقي.

ولا يعني هذا أن كل ممتنع عن الزواج عبقري ونابغة، وإلا لصار آلاف "الشليتية" الذين يذرعون الشوارع ليلاً ذهاباً وإياباً ـ بلا سبب ـ عباقرة، لكني أعني أن العقاد استغل عقدته النفسية الاستغلال الأمثل، فبلغ ما بلغ إليه.

وفي الجاحظ المعروف بالقبح والدمامة مثال آخر، فالأصل أن الإنسان جميل المنظر أو بين الحسن والقبح، والاستثناء أن يكون المرء قبيحاً، بحيث أشارت امرأة على الجاحظ حينما طلب منها ولدها أن يرى جنياً. فالقبيح إذن شخص ذو عقدة نفسية تقض مضجعه، فيثور على "شكله" ويتفوق على نفسه ويتحول إلى علم من أعلام الأدب.

وليس معنى هذا أيضاً أن كل قبيح الوجه عبقري، فكثير من دميمي الوجوه ستروا قبحهم بأمور عجيبة وغريبة لا تمت إلى العبقرية بصلة بل هي من صميم عمل المجانين والمعتوهين، كأن تجد دميماً يكوي شعره بالمكواة، أو أنه يغير شكل أنفه إلى ما هو أقبح وأشنع كما فعل مايكل جاكسون الذي لا نعرف إلى الآن أين ذهب أنفه الحقيقي. لكن الجاحظ ستر قبح وجهه بأدبه وعلمه، ولولا ذلك القبح لكان حال الجاحظ كحال الآلاف من "أغبياء" عصره الذين كانوا يتسابقون إلى قطع رؤوس غرماء أمرائهم لتقديمها إليهم كدليل على تفانيهم في حب الأمير، ولا يهم بعد ذلك إن كان قطع الرأس بحق أو بظلم مادام أن الأمير رأى الرأس المقطوعة واستلقى على قفاه مقهقهاً.

وإذا جاز لنا اعتبار الفقر عقدة نفسية، ويحق لنا اعتبارها كذلك، فلو لم تكن عقدة لما قال عنها إمام البلغاء علي بن أبي طالب: "لو كان الفقر رجلاً لقتلته". أقول لو أمكن اعتبار الفقر عقدة، فإن الأمثلة كثيرة ولا تحتاج إلى ذكر، لكن لكي تزيد أسطر المقال أقول أن طفلاً "كحياناً" بائساً مثل بيليه أو مارادونا ما أمكنهما الإبداع في كرة القدم، بحيث صار كلاهما مدرسة بحد ذاته، لو أنهما كانا يجلسان في شرفة قصر والديهما ينظران إلى الحديقة الشاسعة.

وفقير آخر من كولمبيا هو غابرييل ماركيز, الحائز على جائزة نوبل للآداب, يقدم دليلاً إثر دليل على أن الفقر يفرّخ العبقريات، بل أذكر أسماء من شئت من العباقرة ثم ابحث في حياتهم فستجدهم في الأغلب كانوا فقراء وتعساء.

لكن ليس كل فقير ينقلب إلى عبقري، بل أن الكثير من الفقراء انسلخوا حيوانات متوحشة تأكل الناس، فأفراد العصابات في الأصل كانوا فقراء، وكذلك المجانين الذين يقتلون بعضهم البعض في أفريقيا ويقذفون بالرؤوس في الطرقات، ونحمد الله أن البشرية تطورت ولم يعد مرغوباً إهداء الرؤوس إلى الأمراء ليقعوا على قفاهم.

وإذا ما قستُ تلك الأمثلة على نفسي وطمحتُ إلى أن أُصْبحَ علماً من الأعلام، فإن خلوي ـ كما أظن ـ من العاهات والعقد لن يسعفني لبلوغ ما أصبو إليه، فلست أصم ولا بأعمى، ولا قصيراً بشكل غير مألوف ولا بهزيل، ولا ممتنعاً عن الزواج ولا بقبيح الوجه، ولا منفياً عن بلدي ولا بفقير، ولم يبقَ أمامي سوى الرقص، ولا أعرف كيف أرقص.
.
.
.
.
.

منقول بتصريف

السيف المنتضى
31-Oct-2003, 02:33 PM
شكراً لك / أخي طرقي
تحياتي لك

طرقي
02-Nov-2003, 09:39 PM
العفو اخوي

كرسي دوار
03-Nov-2003, 01:12 AM
أخي طرقي نقل موفق تشكر عليه و العاهة ليست عيبا أو مؤشر نقصان مالم تكن في العقل والدين

طرقي
06-Nov-2003, 01:48 AM
هلا بك كرسي دوار

ومشكور اخوي على التعقيب

خالد القاضي
06-Nov-2003, 11:22 PM
يعطيك العافيه على هذا الموضوع

شبيه الريح
08-Nov-2003, 06:20 PM
عاهة الجسد ليست بعاهة وإنما عاهة العقل اكبر العاهات أجارنا الله وإياكم والشواهد كثيرة في هذا المنوال

طرقي
05-Dec-2003, 07:53 PM
خالد القاضي
شبيه الريح

مشكورين ويعطيكم العافيه