المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نفح العطر من أحكام زكاة الفطر


أبو خالد
28-Oct-2003, 01:31 AM
نفح العطر من أحكام زكاة الفطر
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لاشريك له ، وأشهد أن محمدأً عبده ورسوله ، أما بعد : فهذا ـ أخي القارئ ـ مختصر مفيد ـ إنشاء الله ـ تقف من خلاله على أهم أحكام زكاة الفطر ، وقد تحريت فيه أتباع الدليل ونصٌرته ، والله أسأل أن ينفع به ، وأن يكتب لي أجره إنه خير مسؤول .
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واقتفى أثره واتبع سنته .
وكـــتـــب
أبوخــــــالـــــــد

معنى زكاة الفطر :
أي : التي تجب بالفطر من رمضان ، نسبت إلى الفطر من باب تسمية المسبب بسببه . ويقال أيضاً زكاة رمضان ؛ لحديث أبي هريرة قال :" وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان ، فأتاني آت ......." الحديث ( أخرجه البخاري ) .
ويقال أيضاً : زكاة الصوم .
متى فرضت زكاة الفطر :
قال ابن مفلح في " المبدع " ( 2 / 384) : " والظاهر أن فرضها مع رمضان من السنة الثانية من الهجرة "
وقال المباركفوري في " تحفة الأحوذي " (3/ 278) : " وكان فرضها في السنة الثانية من الهجرة في شهر رمضان قبل العيد بيومين . قاله القسطلاني " .
حكمتها :
شرعت زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث ـ كما ورد في حديث ابن عباس ـ فهي تجبر كل نقصان حصل في الصوم ، وتمحو كل عصيان تخلل الشهر .
وقال وكيع : " زكاة الفطر لرمضان كسجود السهو للصلاة ، تجبر نقصان الصوم ، كما يجبر السجود نقصان الصلاة " .
وهكذا كل عبادة تتعلق بعبادة أخرى ، فإنها تكون مكملة لها ومتممة لما نقص منها .
وفي صدقة الفطر إغناء للمساكين عن السؤال يوم العيد ؛ لئلا يبتذلوا أنفسهم في يوم يود كل مسلم أن يظهر فيه بمظهر الغنى . وهو يوم فرح وسرور عام للمسلمين .
وقد ورد بيان ذلك في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : " فرض رسول الله زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين " (أخرجه أبو داود وابن ماجه وغيرهما ؛ بإسناد حسن ) .
وهي أيضاً شكر لله تعالى على أن منَ على عباده بتكميل صيام شهر رمضان ، وشكر لله تعالى على أن متعهم بدوران الحول عليهم ، فدار عليهم بصحة في أبدانهم وسلامة في أديانهم .
حكمها :
هي واجبة .
قال إسحاق بن راهوية : " إيجاب زكاة الفطر كالإجماع من أهل العلم " .
والدليل على ذلك :عموم قوله تعالى"وآتوا الزكاة "، و لما جاء في " الصحيحين " عن ابن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث .."
وقد نقل ابن المنذر وغيره الإجماع على وجوبها ، لكن قال الحافظ في " الفتح " ( 3 / 430 ) : " وفي نقل الإجماع نظر " . قال الشوكاني في "السيل "(2/83) : " فوجوبها لا شك فيه ولا شبهة " .
مســــــــــــــألة :
لا يمنع الدين من إخراج زكاة الفطر إلا إذا كان مطالباً بالدين فعليه وفاؤه ، وتسقط عنه الفطرة إذا استغرق الدين جميع ماله .
قال ابن قدامه في " المغني " ( 3 / 317 ) :
" إنما لم يمنع الدين الفطرة ، لأنها أكد وجوباً ، بدليل وجوبها ، على الفقير وشمولها لكل مسلم قدر على إخراجها ، ووجوب تحملها عمن وجبت نفقته على غيره ، ولا تتعلق بقدر من المال ، فجرت مجرى النفقة ، ولأن زكاة المال تجب بالملك ، والدين يؤثر في الملك فأثر فيها ، وهذه تجب على البدن ، والدين لا يؤثر فيه .
وتسقط الفطرة عند المطالبة بالدين ؛ لوجوب أدائه عند المطالبة ، وتأكده بكونه حق آدمي معين لا يسقط بالإعسار ، وكونه أسبق سبباً وأقدم وجوباً يأثم بتأخيره ، فإنه يسقط غير الفطرة وإن لم يطالب به ؛ لأن تأثير المطالبة إنما هو في إلزام الأداء وتحريم التأخير "
على من تجب :
تجب زكاة الفطر على الكبير والصغير ، والذكر والأنثى ، والحر والعبد ، من المسلمين ؛ لقول ابن عمر رضي الله عنهما : " فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير، على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين " ( متفق عليه)
ولا تجب زكاة الفطر عن الحمل إلا أن يتطوع بها ، فلا بأس
" فعن حميد : أن عثمان كان يعطي صدقة الفطر عن الحبل " أخرجه ابن أبى شيبة ( 2/ 432) وحميد هو الطويل ، وهو ثقة لكنه مدلس .
وأخرج عبد الرزاق ( 3 / 319 ) وابن أبي شيبة ( 2/ 398 ) بسند صحيح عن أبي قلابة قال : " كان يعجبهم أن يعطوا زكاة الفطر عن الصغير والكبير حتى عن الحبل في بطن أمه "
قال ابن المنذر : " كل من نحفظ عنه من علماء الأمصار لا يوجب على الرجل زكاة الفطر عن الجنين في بطن أمه " .
عمن تخرج :
يخرجها الإنسان عن نفسه ، وكذلك عمن تلزمه مؤو نته من زوجة أو قريب، إذا لم يستطيعوا إخراجها عن أنفسهم ، فأن استطاعوا ، فالأولى أن يخرجوها عن أنفسهم ؛ لأنهم المخاطبون بها أصلاً .
لكن لو لم يكن عنده من الفائض عن قوته وقوت عياله إلا ما يخرجه عن شخص واحد ، فإنه يقدم نفسه ؛ لقولـــــه صلى الله عليـــــه وسلم :
" ابدأ بنفسك " ( أخرجه مسلم )
وليس من شرط زكاة الفطر الغنى ، بل كل من وجدها فاضلة عما يحتاجه من نفقة العيد وليلته ، وجب عليه إخراجها ، أما إذا لم يجد إلا قوت اليوم فلا فطرة عليه ؛ لأنه إذا أخرجها احتاج للنفقة في هذا اليوم وصار مصٌرفاً للفطرة .
لقول ابن عمر رضي الله عنهما : " فرض رسول الله صلى عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان على الناس " .
قال المازري :’’ في قوله " على الناس " حجة للكافة في وجوبها على الحضري والبدوي والغني والفقير ؛ لأنها زكاة بدن لا مال ,, .
وقال النووي في " شرح مسلم " : " وفيه دليل للشافعي والجمهور في أنها تجب على من ملك فاضلاً عن قوته وقوت عياله يوم العيد " .
وقال الخطابي في " معالم السنن " ( 3/ 214) :
" وهي واجبة على كل صائم غني ذي جدةٍ ويُسر أو فقير يجدها فضلاَ عن قوته ، إذا كان وجوبها عليه بعلة التطهير ، وكل من الصائمين محتاجون إليها ، فإذا اشتركوا في العلة اشتركوا في الوجوب ... وقال مالك بن أنس : صدقة الفطر على الغني والفقير ، وهو قول الشعبي، وابن سيرين، وعطاء والزهري .
وقال الشافعي : إذا فضل عن قوت المرء وقوت أهله مقدار ما يؤدي عن زكاة الفطر وجبت عليه ، وكذلك قال ابن المبارك، واحمد بن حنبل " .
حكم من قدر على بعض الزكاة :
ذهب الجمهور إلى وجوب إخراجه ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " ( متفق عليه )
وهذا قياس جميع الواجبات ، إذا قدر على أداء بعضها وعجز عن جميعها ، قال ابن القيم في " أحكام أهل الذمة " (1/136) : " كمن قدر على أداء بعض الدين وإخراج بعض صاع الفطرة وأداء بعض النفقة إذ لا يقدر على تمامها ، وغسل بعض أعقابه إذا عجز عن غسل جميعها ، وقراءة بعض الفاتحة في الصلاة إذا عجز عن جميعها ، ونظائر ذلك " .
وهذا اختيار فضيلة الشيخ ابن عثيمين ـ عافاه الله وشفاه ـ حيث قال: " إذا فضل بعض صاع فإنه يخرجه ؛ لأن هذا حق لآدمي ، فوجب أن يخرج منه ما استطاع " ا. هـ من تعليقه على الكافي ـ وهو مخطوط بقلم كاتب هذه السطور ـ .
النية في إخراج الزكاة :
زكاة الفطر عبادة من العبادات ، وأداؤها عمل ، فلا بد والحالة هذه من وجود النية ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم " إنما الأعمال بالنـــــيات " ( متفق عليه ) ، فلو دفع بلا نية ، لم تجزئه .
ويكفي في النية أن ينوي بقلبه أن ما يخرجه زكاة الفطر .
وعلى هذا فلا بد أن يكون المخرج للزكاة مكلفاً ، أما غير المكلف كالصبي والمجنون ، فإنه يخرجها عنهما وليهما في المال .
فائـــــــــــــــدة :
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي :" الصحيح انه إذا نوى المتصدق الزكاة ودفعها للوكيل ، ثم دفعها الوكيل للمعطى أن ذلك يجزئ ، ولو أن الوكيل لم يقر أنها زكاة سواء تأخر دفعها عن نية المتصدق أو قارنها " .
فائــــــــــــــدة أخرى :
لو أخرج إنسان الفطرة عن أجنبي بغير إذنه لا يجزئه بلا خلاف ؛ لأنها عبادة فلا تسقط عن المكلف بها بغير إذنه، وإن أذن فأخرج عنه، أجزأه .
انظر: المجموع ( 6/ 136 ) .
مصرف زكاة الفطر ( المستحقون لزكاة الفطر ) :
المستحقون لها هم الفقراء والمساكين ؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما : " فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين " .
قال الشوكاني في " النيل " ( 4 / 218 ) عن قوله " طعمة للمساكين " :
" فيه دليل على أن الفطرة تصرف في المساكين دون غيرهم من مصارف الزكاة " .
أقول : فقد كان هديه صلى الله عليه وسلم تخصيص المساكين بهذه الصدقة ، ولم يكن يقسمها على الأصناف الثمانية ، ولا فعله أحد من أصحابه ولا من بعدهم .
وهذا اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم ، فانظر " مجموع الفتاوى " ( 25 / 72 ) و " زاد المعاد " ( 2/ 22 ) .
وإليه يميل الشيخ ابن عثيمين ـ كما في " تعليقه على الكافي " ـ ، فقد قال بعد حكايته لهذا القول : " وهذا القول أبرأ للذمة ، أن لا تعطى إلا من يأخذ الزكاة لحاجته لا لحاجته إليها ".
وقال شيخ الإسلام في "الفتاوى الكبرى " (4/455) : " ولا يجوز دفع زكاة الفطر إلا لمن يستحق الكفارة ، وهو من يأخذ لحاجته لا في الرقاب والمؤلفة وغير ذلك " .
فمن الخطأ الشائع عند كثير من الناس، أنهم يعطونها من يقبلها حتى لو كان غنياً !!

أبو خالد
28-Oct-2003, 01:33 AM
تكملة للبحث السابق :
جنس الواجب في الفطرة :
تخرج زكاة الفطر من كل ما يقتات ؛ لأن الأصل في الصدقات أنها تجب على وجه المواساة للفقراء ، كما قال تعالى " من أوسط ما تطعمون أهليكم " .
والنبي صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاَ من شعير لأن هذا كان قوت أهل المدينة ، ولو كان هذا ليس من قوتهم ، بل يقتاتون غيره لم يكلفهم أن يخرجوا مما لا يقتاتونه ، كما لم يأمر الله بذلك في الكفارات ، وصدقة الفطر من جنس الكفارات ، هذه معلقة بالبدن ، وهذه معلقة بالبدن ، بخلاف صدقة المال فإنها تجب بسبب المال من جنس ما أعطاه الله . ( انظر : " مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيميه " ( 25 / 68 )
قال ابن القيم في " إعلام الموقعين " ( 3 / 12 ) :
" النبي صلى الله عليه وسلم فرض صدقة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير أو صاعاً من زبيب أو صاعاً من أقط وهذه كانت غالب أقواتهم بالمدينة ، فأما أهل بلد أو محلة قوتهم غير ذلك فإنما عليهم صاع من قوتهم كمن قوتهم الذرة أو الأرز أو التين أو غير ذلك من الحبوب ، فإن كان قوتهم من غير الحبوب كاللبن واللحم والسمك اخرجوا فطرتهم من قوتهم كائناً ما كان ، هذا قول جمهور العلماء ، وهو الصواب الذي لا يقال بغيره ؛ إذا المقصود سد خلة المساكين يوم العيد ومواساتهم من جنس ما يقتاته أهل بلدهم .."
وانظر " الإنصاف " (3/179) .
قال الشيخ ابن عثيمين في " مجالس شهر رمضان " ( ص 159 ) :
" فلا يجزئ إخراج طعام البهائم ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فرضها طعمة للمساكين ، ولا يجزئ إخراجها من الثياب والفرش مما سوى طعام الآدميين ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فرضها من الطعام ، فلا يتعدى ما عينه الرسول صلى الله عليه وسلم " .
وقت وجوبها :
تجب زكاة الفطر بغروب الشمس من آخر يوم من رمضان ودخول أول جزء من ليلة عيد الفطر ؛ لقول ابن عمر : " فرض رسول الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان " . وذلك يكون بغروب الشمس ليلة الفطر ؛ لأنه وقت الفطر من رمضان ، وهو قول الثوري، وأحمد، وإسحاق، والشافعي ـ في الجديد ـ ، وإحدى الروايتين عن مالك .
وعلى هـــــــــــــــــــــــذا ، فتسقط زكاة الفطر عمن ولد بعد غروب شمس آخر يوم من رمضان ، وكذا من مات قبل غروب شمس آخر يوم من رمضان
أما من ولد قبل غروب شمس آخر يوم من رمضان فلا تسقط عنه بل يجب إخراج فطرته وكذا من مات بعد غروب شمس ذلك اليوم .
تـنـــبـــيه : من سقط عنه الصوم بعذر، لم تسقط فطرته .
وقت إخراجها : له وقتــــــــــــان :
أ – وقت فضيلة : وهو صبيحة يوم العيد ، قبل خروج الناس إلى الصلاة لحديث ابن عمر : " أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بزكاة الفطر أن تؤدي قبل خروج الناس إلى الصلاة " ( متفق عليه ) .
ب – وقت جواز : وهو قبل العيد بيوم أو يومين ، والدليل على ذلك ما أخرجه البخاري في " صحيحه " عن نافع قال : كان ابن عمر يعطي عن الصغير والكبير حتى إن كان يعطي عن بني ، وكان يعطيها الذين يقبلونها ، وكانوا يَعطون قبل الفطر بيوم أو يومين " .
حكم تأخير دفع زكاة الفطر عن صلاة العيد :
يحرم تأخيرها من غير عذر ، فمن أخرها بغير لم تقبل منه ؛ لأنه قد فات محلها ، وقد باء بإثمها .
والدلــــــــــــــيل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : " فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ، ومن أداها بعد الصلاة ، فهي صدقة من الصدقـــــــــــات " ( أخرجه أبو داود وابن ماجة وغيرهما ــ بسند حسن ــ من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ) . وقال صلى الله عليه وسلم : " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا ، فهو رد " ( متفق عليه ) .
قال الشوكاني في " النيل " ( 4 / 218 ) :
" والظاهر أن من أخرج الفطرة بعد صلاة العيد كان كمن لم يخرجها باعتبار اشتراكهما في ترك هذه الصدقة الواجبة " .
أقـــــــــــــــــــول : لكن إذا نسي الشخص إخراج زكاة الفطر ، أو لم يمكنه إخراجها في موعدها لعذر شرعي دون تفريط منه ، فإنه لا يأثم ، لكن يجب عليه قضاؤها ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : " دين الله أحق بالقضاء " ( متفق عليه ) .
ويقضيها على الفور ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : " من نام عن صلاة أونسيها فليصلها إذا ذكرها " ( متفق عليه ) .
مكان دفع الفطرة :
تدفع زكاة الفطر في البلد الذي هو فيه وقت الإخراج ، فإذا سافر من عليه زكاة الفطر قبل العيد ، أخرجها في البلاد التي سافر إليها ، وإن كانت البلد التي سافر إليها غير إسلامية ، فعليه أن يلتمس بعض فقراء المسلمين ويسلمها لهم .
قال أبو عبيد في " الأموال " :
" والعلماء مجمعون على أن أهل كل بلد من البلدان ، أو ماء من المياه أحق بصدقتهم ، ما دام فيهم من ذوي الحاجة واحد فما فوق ذلك ، وإن أتى ذلك على جميع صدقتها ، بذلك جاءت الأحاديث مفسرة " .
أقـــــــــــــــول : لكن إن لم يجد مستحقاً في البلد التي هو فيها وقت الإخراج جاز له نقلها إلى مكان آخر ، أو وجدت مصلحة راجحة كأن يكون فقراؤه أشد حاجة أو رأي الإمام نقلها لمصلحةٍ .
وهذا القول اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ، فإنه يجيز نقلها لمصلحة شرعية . وممن أجاز نقل الزكاة من بلد إلى آخر لمصلحة : علماء الدعوة السلفية ، ومنهم الشيخ عبد الله بن محمد ، والشيخ بن إبراهيم ، والشيخ عبد الرحمن السعدي, وغيرهم .



مقدار الواجب في الفطرة :
الواجب في ذلك صاع من جميع الأصناف التي يجوز إخراج زكاة الفطر منها ، ما عدا القمح أو البر فإن الواجب فيه ـ على الصحيح ـ نصف صاع .
والدليل على وجوب الصاع قول ابن عمر رضي الله عنهما : " فرض رسول الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على العبد والحر ... " الحديث .
ولحديث أبي سعيد رضي الله عنه قال :" كنا نخرج زكاة الفطر صاعاً من طعام أو صاعاً من شعير أو صاعاً من تمر أو صاعاً من أقط ، أو صاعاً من زبيب " ( متفق عليه ) .
وأما بالنسبة للقمح ، فقد دلت أدلة كثيرة على أن الواجب فيه نصف صاع ، من ذلك :
ما أخرجه احمد ( 5/ 432 ) وأبو داود ( رقم 1619 ) والدار قطني ( 2/ 147 ) عن الزهري ، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير _ أو عن ثعلبة _ عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أدوا صاعاً من بر أو قمح بين اثنين ، أو صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير عن كل حـر وعبــد ، وصغير وكبير "
قال الشيخ الألباني ـ رحمه الله ـ في " الصحيحة " ( 3/ 170) : " وهذا إسناد رجاله ثقات ، إلا أنهم اختلفوا في صحبة عبد الله بن ثعلبة ، لكنه قال في هذه الرواية وغيرها " عن أبيه " , فهو مسند ، وقد أخرجه الضياء المقدسي في " الأحاديث المختــــــــــارة "ـ كما في " زوائد الجامع الصغير " ( ق 9 / 2 ) ـ ، وللحديث شواهد كثيرة .. " ثم ذكر بعضها .
أقــــــــــــــــــــــول : وهذا هو رأي عدد من الصحابة والتابعين ، وقد ذكر ابن المنذر هذا عن عدد من الصحابة، منهم عثمان، وعلي، وأبي هريرة ، وجابر، وابن عباس، وابن الزبير، وأمه أسماء بنت أبي بكر . قال الحافظ في " الفتح " ( 3 / 437 ) " بأسانيد صحيحة " .
أقـــــــــــــــــــــول : وقد وقفت على الروايات الواردة عنهم ـ رضي الله عنهم ـ ، وسأذكر ما رأيته صحيحاً ، مكتفياً به عما لم يصح ، فمن هؤلاء الصحب الكرام :
1 ـ معاوية ـ رضي الله عنه ـ :
فقد أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : كنا نخرج إذ كان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر عن كل صغير وكبير ، حر أو مملوك صاعاً من طعام أو صاعاً من أقط أو صاعاً من شعير أو صاعاً من تمر أو صاعاُ من زبيب ؛ فلم نزل نخرجه حتى قدم علينا معاوية بن أبي سفيان حاجاً أو معتمراً ، فكلم الناس على المنبر ، فكان فيما كلم به الناس أن قال : إني أرى أن مدين من سمراء الشام تعدل صاعاً من تمر ، فأخذ الناس بذلك "
وهذا إما لأنه رضي الله عنه كان عنده علم من رسول الله صلى الله عليه وسلم أوانه اجتهد رضي الله عنه فوافق رأيه حديث رسول الله عليه وسلم .
2 ـ أبو هريرة رضي الله عنه ـ :
فقد أخرج الطحاوي في " المشكل " من طريق ابن المبارك عن ابن لهيعة عن عبيد الله بن أبي جعفر عن الأعرج عن أبي هريرة أنه كان يخرج زكاة الفطر عن كل إنسان يعول من صغير وكبير وحر أو عبد ـ ولو كان نصرانياً ـ مدين من قمح أو صاعاً من تمر "
قلت : وهذا إسناد صحيح ، رجاله كلهم ثقات ، وابن لهيعة وإن كان قد ساء حفظه إلا أن الراوي عنه هنا عبدالله بن المبارك وسماعه منه قديم ، فهو صحيح الحديث عنه .
وأخرج أيضاً عبد الرزاق في " المصنف " ( 3 / 311 ) ومن طريقة الدار قطني في " سننه " ( 2 / 149 ) عن معمر عن الزهري عن عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة قال :’’ زكاة الفطر على كل حر وعبد ، ذكر وأنثى ، صغير وكبير ، غني وفقير صاع من تمر أو نصف صاع من قمح ,, .
قلت : وهذا إسناد صحيح ، وعبد الرحمن الأعرج هو المقعد ، وثقة النسائي .
3 ـ جابر رضي الله عنه ـ :
فقد أخرج عبد الرزاق ( 3 / 315 ) ومن طريقة الدار قطني ( 2/ 151) عن ابن جريج قال أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول : ’’صدقة الفطر على كل مسلم صغير وكبير ، عبد أو حر ، مدان من قمح أو صاع من تمر أو شعير ,,.
قلت : وهذا سند صحيح ، وابن جريج وأبو الزبير وإن كانا مدلسين ، فقد صرحا ـ هنا ـ بالتحديث .
4_ أسماء بنت أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنهما ـ :
فقد أخرج الإمام احمد في " المسند " ( 6/ 347 ، 355) من طريق عبد الله بن المبارك قال أنا ابن لهيعة عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر قالت : كنا نؤدي زكاة الفطر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مدين من قمح بالمد الذي تقتـــــــاتون به "
قلت : وهذا إسناد صحيح ، رجاله كلهم ثقات ، والراوي عن ابن لهيعة هنا أيضاً عبد الله بن المبارك ، وقد سبق أن ذكرت أن سماعه منه قديم ، فهو صحيح الحديث عنه .
وأخرج أيضاً ابن أبي شيبة في " المصنف " ( 2/ 397 ) فقال : حدثنا وكيع عن هشام عن فاطمة عن أسماء أنها كانت تعطى زكاة الفطر عمن يموت ومن أهلها الشاهد والغائب نصف صاع من بر أو صاع من تمر أو شعير .
قلت : وهذا أيضاً إسناد صحيح ، وقد تابع هشاماً أبو الأسود عند الطحاوي في " شرح المعاني " ( 2/ 3) وأخرجه أيضاً الطحاوي في " شرح المعاني " ( 2/ 43 ) من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء به .
5 ـ عبد الله بن الزبير رضي الله عنه ـ :
فقد أخرج عبد الرزاق ( 3/ 313 ) وابن أبي شيبة (2/396 ) من طريق ابن جريج قال أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع ابن الزبير يقول على المنبر : ’’زكاة الفطر مدان من قمح ، أو صاع من تمر أو شعير الحر والعبد سواء,, .
قلت : وهذا إسناد صحيح ، وقد صرح ابن جريج بالتحديث ، فزالت شبهة تدليسه .
6ـ عائشة رضي الله عنها :
فقد أخرج ابن أبي شيبة ( 2 /397) عن جرير عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت : ’’ إني أحب إذا وسع الله على الناس أن يتموا صاعًا من قمح عن كل إنسان ,, .
قلت : وهذا إسناد صحيح ، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين .
ويظهر من قول عائشة " إني أحب " أنها لاتوجب الصاع وإنما ذلك من باب التوسعة على الفقراء ، فالظاهر أنها كانت ترى ما جاء عن أختها أسماء رضي الله عنهما .
هذا ما وقفت عليه ـ الآن ـ مما صح عن الصحابة رضي الله عنهم ، والذي يظهر أن عامة الصحابة كانوا على هذا ، ولعل هذا يفهم من حديث قول ابن عمر: فرض النبي صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر ـ أو قال : رمضان ـ على الذكر والأنثى والحر والمملوك صاعاً من شعير ، فعدل الناس به نصف صاع من بر" (متفق عليه ).
وفي لفظ لمسلم : فجعل الناس عدله مدين من حنطة .
وعلى هذا الرأي أيضاً عدد كبير من التابعين وأتباعهم ، وممن كان يرى ذلك :
1ـ عمر بن عبد العزيز ، كما عند ابن أبي شيبة (2/397) ، والطحاوي في "شرح المعاني " (2/47).
2ـ سعيد بن المسيب ، كما عند الطحاوي ( 2 / 47 ) .
3ـ مجاهد بن جبر ، كما عند أبي شيبة ( 2/ 396 ) ، والطحاوي ( 2/ 47 ) .
4 ـ إبراهيم النخعي ، كما عند ابن أبي شيبة ( 2/396 ) .
5ـ عبدا لله بن شداد ، كما عند أبي شيبة ( 2/ 397 ).
6، 8،7 ـ الحكم ، وحماد ، وعبد الرحمن بن القاسم ، كما عند ابن أبي شيبة ( 2/ 396 ) ، والطحاوي (2/ 47) .
9ـ الشعبي ، كما عند أبي شيبة (2/ 396 ) .
10ـ طاوس ، كما عند عبد الرزاق (3/ 314) ، وابن أبي شيبة ( 2/ 396) .
أقـــــــــــــــول : وهو أيضاً قول سفيان الثوري ابن المبارك وأهل الكوفة ، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ، قال في " الإنصاف " (3/ 179 ) : " واختار الشيخ تقي الدين إجزاء نصف صاع من البر ، وأنه يقتضيه ما نقله الأثرم ".
ومقدار الصاع من البر الجيد كيلوين وأربعون غراماً ، هذا ما قدره به الشيخ ابن عثيمين ـ حفظه الله ـ .
وقد بحثت هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية مقدار الصاع بالكيلو جرام ، وكان بحثها معتمداً على أن صاع رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أمداد ، فتوصلت إلى أن مقدار الصاع = 2600 جرام .
والذي عليه العمل والفتوى حسب ما صدر من سماحة شيخنا الشيخ عبدا لعزيز بن عبدا لله بن باز ـ رحمه الله ـ المنصوص عليها في الجزء الرابع عشر من مجموع رسائله وفتاواه (14/ 200) ، وكذلك الفتوى الصادرة من اللجنة الدائمة بالرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء برقم ( 12572) أن الصاع النبوي = 3 كيلو تقريباً( 9/ 371 من مجموع فتاوى اللجنة الدائمة ) ، والله أعلم
وانظر في هذا بحثاً قيماً لفضيلة الشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع ـ حفظه الله ـ عضو هيئة كبار العلماء ، في مجلة البحوث الإسلامية التي تصدرها رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية ـ العدد (59) ـ .
فائـــــــــــــدة :
قال المر داوي في " الإنصاف " (3/ 179) : " فيؤخذ صاع من البر ، ومثل مكيل ذلك من غيره ... ولا عبرة بوزن التمر ... وكذا غيره مما يخرجه سوى البر " .
التوكيل في توزيع زكاة الفطر :
لا شك أن الأفضل أن يلي الشخص توزيع زكاته بنفسه ؛ ليتيقن من وصولها إلى مستحقيها . لكن يجوز له أن يوكل غيره في إيصال زكاته إلى مستحقيها ، وقد مر معنا أن ابن عمر كان يعطيها الذين يقبلونها ، أي : الذين ينصبهم الإمام لقبضها ، وبه جزم ابن بطال . وقال ابن التيمي: معناه من قال أنا فقير .
قال الحافظ في " الفتح " (3/ 440) " والأول أظهر " .
ويدل على جواز التوكيل أيضاً: ما أخرجه البخاري في " صحيحه " ـ في الوكالة ـ عن أبي هريرة قال : وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان " الحديث .
وقال الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ : " أعجب إلي أن يخرجها بنفسه ، وإن دفعها إلى السلطان ـ يعني فهو جائز ـ .
قال الشيخ ابن عثيمين ـ حفظه الله ـ في " تعليقه على الكافي " :
" وأيضاً نائب السلطان مثله ، فالجمعيات الخيرية المفسوح لها حكمها حكم الإمام، فإن أدى الناس زكاتهم إلى جمعية من هذه الجمعيات ثم احترقت أو سرقت ، فإنه لا ضمان على أصحاب الزكوات ؛ لأنها وصلت إلى محلها ( يعني أن يد الإمام كيد الفقراء ) ، ولو أن إنساناً أعطى زكاته لشخص على أن يفرقها ثم سرقت من هذا الشخص ، فعلى صاحبها أن يؤدي الزكاة ، ثم هل يضمن الوكيل أولا ؟ ينبني على التفريط من عدم التفريط " يعني إن فرط ضمن ، وإلا فلا .

حكم الاقتراض لدفع زكاة الفطر :
لا يجب عليه ذلك؛ لقول الله عز وجل " لا يكلف الله نفساً إلا وسعها " ولقوله صلى الله عليه وسلم : " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتـــــــم " ( متفق عليه ) .
لكن يجوز له أن يقترض إذا وجد من يقرضه ، وكان قادراً على القضاء .
حكم إخراج القيمة في زكاة الفطر :
الراجح ـ والله تعالى أعلم ـ أنه لا يجزئ إخراج قيمة الطعام وذلك لما يلي :
أولاً : لأنه خلاف ما أمر به رسول الله عليه السلام ، وقد قا ل صلى الله عليه وسلم " من عمل عملاً ليس عليه امرنا فهو در " .
ثانـياً: لأن إخراج القيمة مخالف لعمل الصحابة رضي الله عنه ، حيث كانوا يخرجونها صاعاً من طعام ، و لم يثبت عنهم خلاف ذلك ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي " .
ثالـثاً: ولأن زكاة الفطر عبادة من جنس معين ، فلا يجزئ إخراجها من غير الجنس ، كما لا يجزئ إخراجها في غير الوقت المعين .
رابعاً : ولأن النبي صلى الله عليه وسلم عينها من أجناس مختلفة وأقيامها مختلفة غالباً ، فلو كانت القيمة معتبرة لكان الواجب صاعاً من جنس وما يقابل قيمته من الأجناس الأخرى .
خامساً : ولأن إخراج القيمة يخرج الفطرة عن كونها شعيرة ظاهرة إلى كونها صدقة خفية ، فإن إخراجها صاعاً من طعام يجعلها ظاهرة بين المسلمين معلومة للصغير والكبير يشاهدون كيلها وتوزيعها ويتعارفونها بينهم بخلاف ما لو كانت دراهم يخرجها الإنسان خفية بينه وبين الأخر
( انظر : مجالس شهر رمضان للشيخ ابن عثيمين ص 159 ).
هذا ما يسر الله تعالى جمعه ، وأسأله تعالى المزيد من فضله ، وأسأله العفو عن الزلل والخطأ .
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك .

كــــان الفــــــــــراغ مــن هـــــــــــذه الــرســــــــــالــــــــة
في الثاني والعشرين من شهر رمضـــان المبــــــارك
من العام الحادي والعشرين بعد الأربعمائة والألـف
من ا لهجــرة النـــــبـــــــويــــــة المــــباركـــــة
على صاحبها أفضل الصــــلاة والســــــلام

السيف المنتضى
28-Oct-2003, 05:04 PM
الأخ الفاضل / أبو خالد
جزاك الله خير وبارك فيك ونفع بعلمك
ولا تحرمنا تواجدك في هذا القسم
الجميع بانتظارك
تحياتي لك

sultzad
30-Oct-2003, 02:03 AM
بارك الله بعلمكم يا شيخنا الفاضل ابو خالد

اسأل الله ان ينفع بما قدمتم ......................

وأحب ان انوه ان كاتب هذا البحث هو فضيلة الشيخ سعود العنزي ابو خالد

حفظك الله يا شيخنا

أخوك
سلطان ابو فهد

ابو ثامر
30-Oct-2003, 03:16 AM
بارك الله فيك ...شيخنا/ سعود العنزي...ابو خالد....ونفع بك وبعلمك ....وجعلها في موازين حسناتك .....

واكرمنا واياكم بجناته انه سميع مجيب.

بهادر22
30-Oct-2003, 04:27 AM
جزاك الله عنا خيرا ونفع بما كتبت